ومثله في المدارك قال الحفناوي : وهذا أظهر لتكون الضمائر على وتيرة واحدة .
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ
أصل البيعة العقد الذي يعقده الإنسان على نفسه من بذل الطاعة للإمام والوفاء بالعهد الذي التزمه له وهي بيعة الرضوان بالحديبية ، فإنهم بايعوه تحت الشجرة على قتال قريش فبايعه جماعة على الموت منهم سلمة بن الأكوع وبايعه جماعة على أن لا يفروا منهم معقل بن يسار والحديبية قرية ليست كبيرة بينها وبين مكة أقل من مرحلة أو مرحلة سميت ببئر هناك ، وقد جاء في الحديث أن الحديبية بئر ، قال مالك : هي من الحرم وقال ابن القصار : بعضها من الحل ويجوز في الحديبية التخفيف والتشديد ، والأول أفصح وعامة المحدثين يشددونها .
إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
أخبر سبحانه أن هذه البيعة لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم هي بيعة له ، كما قال :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
[ النساء : 80 ] ، وذلك لأنهم باعوا أنفسهم من اللّه بالجنة ، وجملة :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
مستأنفة لتقرير ما قبلها على طريق التخييل ، أو في محل نصب على الحال وفي هذا التركيب استعارة تصريحية تبعية في الفعل ، ومكنية في الاسم الكريم ، وتخييلية في إثبات اليد له ، وفيه مشاكلة في مقابلة يده بأيديهم ، والمعنى أن عقد الميثاق مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كعقدة مع اللّه سبحانه من غير تفاوت بينهما ، قاله الزمخشري والكرخي ، وقيل : يد اللّه بالوفاء بما وعدهم من الخير فوق أيديهم ، وقال السدي : كانوا يأخذون بيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيبايعونه ، ويد اللّه فوق أيديهم في المبايعة .
قال الرازي : وذلك يحتمل وجوها ، لأن اليد في الموضعين إما أن تكون بمعنى واحد ، وإما أن تكون بمعنيين ، فإن قلنا : إنها بمعنى واحد ففيه وجهان .
أحدهما : يد اللّه بمعنى نعمة اللّه عليهم فوق أجسامهم ، كما قال :
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ
[ الحجرات : 17 ] .
وثانيهما : نصرته إياهم أقوى وأعلى من نصرتهم إياه ، يقال اليد لفلان أي الغلبة والنصرة والقوة ، وإن قلنا إنها بمعنيين فنقول : اليد في حق اللّه تعالى بمعنى الحفظ ، وفي حق المبايعين بمعنى الجارحة ، فيكون المعنى يد اللّه فوق أيديهم بالحفظ انتهى .
قلت : وهذا هو مذهب أهل التأويل والكلام ، ومذهب السلف في هذه الآية وأمثالها السكوت عن التأويل ، وإمرار آيات اللّه وأحاديث رسول اللّه المتعلقة بالصفات كما جاءت مع الإيمان بها . من غير تشبيه ، ولا تكييف ، ولا تعطيل ، ولا تحريف ، ولا صرف عن الظاهر ، ولا تأويل وهو الحق .
فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
أي فمن نقض ما عقد من البيعة فإنما ينقص على نفسه ، لأن ضرر ذلك راجع إليه لا يجاوزه إلى غيره .