القبط
فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
أرسلني إليكم ما أجابوه به عند قوله هذا محذوف دل عليه قوله :
فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا
وهو مطالبتهم إياه بإحضار البينة على دعواه وإبراز الآية
إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ
استهزاء وسخرية وجواب لما هو إذا الفجائية لأن التقدير فاجأوا وقت ضحكهم .
وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها
أي كل واحدة من آيات موسى أكبر مما قبلها وأعظم قدرا مع كون التي قبلها عظيمة في نفسها وقيل المراد بهذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر ولا يكدن يتفاوتن فيه وعليه كلام الناس هنا أخوان كل واحد منهما أكبر من الآخر وقيل المعنى إن الأولى تقتضي علما والثانية تقتضي علما فإذا ضمت الثانية إلى الأولى ازداد الوضوح ومعنى الأخوة بين الآيات أنها متشاكلة متناسبة في دلالتها على صحة نبوة موسى كما يقال هذه صاحبة هذه أي هما قرينتان في المعنى وقيل المعنى أن كل واحدة من الآيات إذا انفردت ظن الظان أنها أكبر من سائر الآيات .
وَأَخَذْناهُمْ
بسبب تكذيبهم بتلك الآيات
بِالْعَذابِ
أي بالسنين والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس ، كما قال تعالى :
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ
[ الأعراف : 130 ] الآية . ثم بين سبحانه أن العلة في أخذه لهم بالعذاب هو رجاء رجوعهم ، فقال :
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
أي لكي يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان ، ولما عاينوا ما جاءهم به من الآيات البينات ، والدلالات الواضحات ، ظنوا أن ذلك من قبيل السحر .
وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ
وكانوا يسمون العلماء سحرة ، ويوقرون السحرة
ويعظمونهم ، ولم يكن السحر صفة ذم عندهم ، قال الزجاج : خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر ، أو نادوه بذلك في تلك الحال لشدة شكيمتهم ، وفرط حماقتهم ، والأظهر أن النداء كان باسمه العلم ، كما في الأعراف في قوله :
قالُوا : يا مُوسى
[ المائدة : 22 ] .
ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ
لكن حكى اللّه سبحانه هنا كلامهم لا بعبارتهم ، بل على وفق ما أضمرته قلوبهم من اعتقادهم أنه ساحر ، لاقتضاء مقام التسلية ذلك فإن قريشا سموه ساحرا ، وسموا ما أتى به سحرا ، أفاده الكرخي ، والمعنى : ادع اللّه بما أخبرتنا من عهده إليك أنا إذا آمنا كشف عنا العذاب الذي نزل بنا
إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ
أي فنحن مهتدون فيما يستقبل من الزمان ومؤمنون بما جئت به .
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ
في الكلام حذف ، والتقدير فدعا موسى ربه ، فكشف عنهم العذاب ، فلما كشف عنهم العذاب
إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ
فاجأوا نكثهم للعهد الذي جعلوه على أنفسهم من الاهتداء ، والنكث النقض وكانوا ينقضونه في كل مرة من مرات العذاب .