تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
من شيء فعلى البادىء حتى يعتدي المظلوم ثم قرأ
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
» « 1 » .
فَمَنْ عَفا
الفاء للتفريع أي إذا كان الواجب في الجزاء رعاية المماثلة من غير زيادة ، وهي عسرة جدا ، فالأولى العفو والإصلاح إذا كان قابلا للإصلاح ، فلا يرد أنه يخالف قولهم الحلم على العاجز محمود ، وعلى المتغلب مذموم ، والمعنى من عفا عمن ظلمه .
وَأَصْلَحَ
بالعفو بينه وبين ظالمه
فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
أي يأجره على ذلك لا محالة ، وأبهم الأجر تعظيما لشأنه ، وتنبيها على جلالته ، قال مقاتل فكان العفو من الأعمال الصالحة ، وقد بينا هذا في سورة آل عمران ، والمقصود من الآية التحريض على العفو ، وقد عرفت التوفيق بينه وبين الانتصار . أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا كان يوم القيامة أمر اللّه مناديا ينادي ألا ليقم من كان له على اللّه أجر ، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا » ، وذلك قوله :
فَمَنْ عَفا
الآية . وأخرج البيهقي عن أنس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ينادي مناد من كان له أجر على اللّه فليدخل الجنة مرتين فيقوم من عفا عن أخيه قال اللّه تعالى :
فَمَنْ عُفِيَ
الآية ثم ذكر سبحانه خروج الظلمة عن محبته التي هي سبب الفوز والنجاة فقال
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
يعني من يبدأ بالظلم قاله مقاتل وبه قال سعيد بن جبير وقيل : لا يحب من يتعدى في الاقتصاص . ويجاوز الحد فيه لأن المجاوزة ظلم .

[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 41 إلى 43 ]

وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ( 41 ) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 42 ) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 )
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ
مصدر مضاف إلى المفعول ، أي بعد أن ظلمه الظالم واللام هي لام الابتداء وقال الحوفي وابن عطية هي لام القسم وليس بجيد بل الأول أولى ، ومن هي الشرطية وجوابه
فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ
بمؤاخذة وعقوبة لأنهم فعلوا ما هو جائز لهم ، وقيل من موصولة ، والأول أولى . وفي القرطبي : الآية دليل على أن له يستوفي ذلك بنفسه ، وهذا ينقسم ثلاثة أقسام وذكرها في حاشية الجمل لا نطول ببسطها فمحلها كتب الفقه دون التفاسير ، ولما نفى سبحانه السبيل على من انتصر بعد ظلمه بين من عليه السبيل فقال :
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في البر حديث 69 ، وأبو داود في الأدب باب 39 ، والترمذي في البر باب 51 ، وأحمد في المسند 2 / 235 ، 488 ، 517 ، 4 / 162 ، 266 ، 6 / 266 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 210 | صديق الحسيني القنوجي البخاري