يشأ يعلم ، عدل إلى العطف على مصدر الفعل الذي قبله ، ولا يتأتى ذلك إلا بإضمار إن ، ليكون مع الفعل في تأويل اسم ، وكما قال الزجاج : قال المبرد وأبو علي الفارسي : واعترض على هذا الوجه بما لا طائل تحته ، وقيل النصب على العطف على تعليل محذوف ، والتقدير لينتقم منهم ويعلم واعترضه الحفناوي بأنه ترتب على الشرط إهلاك قوم ونجاة قوم ، فلا يحسن تقدير لينتقم منهم .
وقرأ نافع وابن عامر برفع يعلم على الاستئناف ، أي على أنه جملة اسمية أو فعلية ، فعلى كونها فعلية يكون الموصول فاعلا ، وعلى كونها اسمية بكون مفعولا والفاعل ضمير مستتر يعود على مبتدأ مقدر ، أي وهو يعلم الذين ، وهي قراءة ظاهرة واضحة اللفظ ، وقرىء بالجزم عطفا على المجزوم قبله على معنى : وإن يشأ يجمع بين الإهلاك والنجاة والتحذير .
ومعنى قوله :
ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ
ما لهم من فرار ولا مهرب من العذاب قاله قطرب وقال السدي : ما لهم من ملجأ وهو مأخوذ من قولهم : حاص به البعير حيصة إذا رمى به ، ومنه قولهم ، فلان يحيص عن الحق أي يميل عنه
ثم لما ذكر سبحانه دلائل التوحيد ذكر التنفير عن الدنيا فقال :
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا
أي ما أعطيتم أيها الناس من الغنى والسعة في الرزق وأثاث الدنيا فإنما هو متاع قليل يتمتع به في أيام قليلة تنقضي وتذهب وتزول :
إنما الدنيا فناء * ليس للدنيا ثبوت
إنما الدنيا كبيت * نسجته العنكبوت
ثم رغبهم في ثواب الآخرة وما عند اللّه من النعيم المقيم فقال :
وَما عِنْدَ اللَّهِ
من ثواب الطاعات والجزاء عليها بالجنات هو
خَيْرٌ
من متاع الدنيا
وَأَبْقى
لأنه دائم لا ينقطع ومتاع الدنيا ينقطع بسرعة ، ثم بين سبحانه لمن هذا فقال .
لِلَّذِينَ آمَنُوا
أي صدقوا وعملوا على ما يوجبه الإيمان
وَعَلى رَبِّهِمْ
لا على غيره
يَتَوَكَّلُونَ
أي يفوضون إليه أمورهم ويعتمدون عليه في كل شؤونهم ، قيل : نزلت في أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه حين تصدق بجميع ماله ، ولامه الناس .
[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 37 إلى 40 ]
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ( 37 ) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 38 ) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ( 39 ) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 40 )
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ
الموصول في محل جر معطوف على