تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
الكتاب والسنة ، وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم ينص عليها وتشاوروا في أهل الردة ، فاستقر رأي أبي بكر على القتال ، وشاور عمر رضي اللّه عنه الهرمزان حين وفد عليه مسلما ، وقد قدمنا في آل عمران كلاما في الشورى .
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
في سبيل الخير ، ويتصدقون به على المحاويج ، ثم ذكر سبحانه الطائفة التي تنتصر ممن ظلمها فقال :
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ
أي بغي من بغى عليهم بغير الحق
هُمْ يَنْتَصِرُونَ
أي ينتقمون من ظالمهم من غير تعد ، ذكر سبحانه هؤلاء المنتصرين في معرض المدح كما ذكر المغفرة عند الغضب في معرض المدح ، لأن التذلل لمن بغى ليس من صفات من جعل اللّه له العزة ، حيث قال
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقون : 8 ] فالانتصار عند البغي فضيلة ، كما أن العفو عند الغضب فضيلة . قال ابن العربي ذكر اللّه الانتصار في البغي في معرض المدح وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر ، في معرض المدح ، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر ، أو يكون ذلك راجعا إلى حالتين إحداهما أن يكون الباغي معلنا بالفجور مؤذيا للصغير والكبير ، فيكون الانتقام منه أفضل ، الثانية أن يقع ذلك ممن لم يعرف بالزلة ويسأل المغفرة فالعفو ههنا أفضل ، وهكذا ذكر الكيا الطبري في أحكامه . وقال النخعي : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم السفهاء والفساق ، لكن هذا الانتصار مشروط بالاقتصار على ما جعله اللّه له وعدم مجاوزته كما بينه سبحانه عقب هذا بقوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
فبين سبحانه أن العدل في الانتصار هو الاقتصار على المساواة وظاهر هذا العموم ، وقال مقاتل والشافعي وأبو حنيفة وسفيان إن هذا خاص بالمجروح ، ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره وقال مجاهد والسدي هو جواب القبيح إذا قال شخص أخزاك اللّه يقول : أخزاك اللّه من غير أن يعتدي ، وإذا انتصر فقد استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقه ، وبقي عليه إثم الابتداء ، والإثم لحق اللّه تعالى ، وتسمية الجزاء سيئة إما لكونها تسوء من وقعت عليه أو على طريق المشاكلة لتشابهما في الصورة . أخرج النسائي وابن ماجة وابن مردويه عن عائشة قالت : « دخلت عليّ زينب وعندي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأقبلت عليّ فسبتني فردعها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلم تنته ، فقال لي سبيها فسببتها حتى جف ريقها في فمها ووجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتهلل سرورا » « 1 » ، وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « المستبّان ما قالا
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 6 / 130 .