تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
ذلِكَ
أي الفضل الكبير
الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ
قرىء يبشر مخففا ومثقلا ، وهما سبعيتان ، ثم وصف العباد بقوله :
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
فهؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل بما أمر اللّه به وترك ما نهى عنه ، هم المبشرون بتلك البشارة ، ثم لما ذكر سبحانه ما أخبر به نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم من هذه الأحكام الشريفة التي اشتمل عليها كتابه أمره بأن يخبرهم بأنه لا يطلب منهم بسبب هذا التبليغ ثوابا منهم فقال :
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً
أي قل يا محمد : لا أطلب منكم الآن ولا في مستقبل الزمان على تبليغ الرسالة بشارة أو نذارة جعلا ولا نفعا وإن قلّ والخطاب إما لقريش وللأنصار لأنهم أخواله ، أو لجميع العرب لأنهم أقاربه في الجملة
إِلَّا الْمَوَدَّةَ
العظيمة الواسعة
فِي الْقُرْبى
أي مظروفة فيها ، بحيث تكون القربى موضعا للمودة وظرفا لها ، لا يخرج شيء من محبتكم عنها والاستثناء متصل ؛ أي إلا أن تودوني لقرابتي بينكم أو تودوا أهل قرابتي ، ويجوز أن يكون منقطعا . قال الزجاج : إلا المودة استثناء ليس من الأول أي إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني ، والخطاب لقريش وهذا قول عكرمة ومجاهد وأبي مالك والشعبي فيكون المعنى على الانقطاع : لا أسألكم أجرا قط ، ولكن أسألكم المودة في القربى التي بيني وبينكم أرقبوني فيها ولا تعجلوا إليّ ، ودعوني والناس وبه قال قتادة ومقاتل والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم ، وهو الثابت عن ابن عباس كما سيأتي وقال سعيد بن جبير وغيره هم آل محمد ، وسيأتي ما استدل به القائلون بهذا . وقال الحسن وغيره : معنى الآية إلا التودد إلى اللّه عزّ وجلّ والتقرب بطاعته ، وقال الحسين بن الفضل ، ورواه ابن جرير عن الضحاك أن هذه الآية منسوخة ، قال البغوي : وهذا قول غير مرضي ، لأن مودة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكف الأذى عنه ، ومودة أقاربه والتقرب إلى اللّه بالطاعة والعمل الصالح ، من فرائض الدين . أقول : في الآية ثلاثة أقوال ، الأول أن القربى بمعنى القرابة أي الرحم ، والثاني بمعنى الأقارب ، والثالث بمعنى القرب والتقرب والزلفى ، وسيأتي ما يتضح به الصواب ، ويظهر به معنى الآية . قال سعيد بن جبير قربى آل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . عن ابن عباس أنه سئل عن قوله
إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
قال ابن عباس : « عجلت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ، فقال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة » ، وعنه قال : « قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم » ، وعن الشعبي قال : أكثر الناس علينا في هذه الآية
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فقال : « إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان واسط النسب في قريش ، ليس بطن من بطونهم إلا
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 198 | صديق الحسيني القنوجي البخاري