تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
قال
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
[ فصلت : 50 ] بسبب ذنوبهم ، واللام هذه والتي قبلها هي الموطئة للقسم .
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ
أي على هذا الجنس من حيث هو ، باعتبار غالب أفراده
أَعْرَضَ
عن الشكر
وَنَأى بِجانِبِهِ
أي ترفع عن الانقياد للحق ، وتكبر وتجبر ، وثنى عطفه متبخترا ، كناية عن الإعراض . وقيل : انحرف عنه أو ذهب بنفسه وتباعد عنه بكليته تكبرا والجانب هنا مجاز عن النفس ، ونأى بمعنى بعد ، يقال : نأيت وتناءيت أي بعدت وتباعدت والمنتأى الموضع البعيد ، وقرىء ناء بالألف قبل الهمزة .
وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ
أي البلاء والجهد والفقر والمرض
فَذُو
أي فهو ذو
دُعاءٍ عَرِيضٍ
أي كثير ، والعرب تستعمل العرض والطول في الكثرة مجازا يقال : أطال فلان في الكلام وأعرض في الدعاء إذا أكثر ، فهو مستعار مما له عرض متسع ، للإشعار بكثرته ، فإن العريض يكون ذا أجزاء كثيرة ، والاستعارة تخييلية ، شبه الدعاء بأمر يوصف بالامتداد ، ثم ثبت له العرض قاله الكرخي والطول أطول الامتدادين ، فإذا كان عرضه كذلك فما ظنك بطوله ، أفاده أبو السعود . والمعنى أنه إذا مسه الشر تضرع إلى اللّه واستغاث به أن يكشف عنه ما نزل به ، واستكثر من ذلك فذكره في الشدة ونسيه في الرخاء ، واستغاث به عند نزول النقمة ، وتركه عند حصول النعمة وهذا صنيع الكافرين ، ومن كان غير ثابت القدم من المسلمين قال الشهاب فإن قلت : كونه يدعو دعاء طويلا عريضا ينافي وصفه قبل هذا بأنه يؤوس قنوط ، لأن الدعاء فرع الطمع والرجاء ، وقد اعتبر في القنوط ظهور أثر اليأس ، فظهور ما يدل على الرجاء يأباه ، قلت : يمكن دفع المنافاة بحمله على عدم اتحاد الأوقات والأحوال انتهى ، أو لعل هذا شأن بعض غير البعض الذي حكى عنه اليأس والقنوط ، أو شأن الكل في بعض الأوقات ، ذكره أبو السعود . ثم رجع سبحانه إلى مخاطبة الكفار ومحاجتهم فقال :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ
أي أخبروني عن حالتكم العجيبة ، واستعمال أرأيتم بمعنى الإخبار مجاز ، ووجه المجاز أنه لما كان العلم بالشيء سببا للإخبار عنه أو الإبصار به طريقا إلى الإحاطة به علما ، وإلى صحة الإخبار عنه استعملت الصيغة التي لطلب العلم أو لطلب الإبصار في طلب الخير لاشتراكهما في الطلب ، ففيه مجازان : استعمال رأى التي بمعنى علم أو أبصر في الإخبار ، واستعمال الهمزة التي هي لطلب الرؤية في طلب الإخبار قاله الشهاب .
إِنْ كانَ
القرآن
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
كما قلت
ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ
أي كذبتم به ، ولم تقبلوه ولا عملتم بما فيه
مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ
خلاف
بَعِيدٍ
عن الحق أي لا أحد أضل منكم لفرط شقاوتكم ، وشدة عداوتكم والأصل أي شيء أضل منكم فوضع من