تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
كما في قوله سبحانه :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً
[ يونس : 44 ] وظلام صيغة نسب كتمّار ، وبقال ، وخباز ، لا صيغة مبالغة ، وهذا التقرير أحسن من غيره . وقال الكرخي : ليس بذي ظلم أشار به إلى أن ظلام ليس على بابه ، وقد تقدم الكلام على معنى هذه الآية في سورة آل عمران عند قوله :
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ آل عمران : 182 ] وفي سورة الأنفال أيضا ثم أخبر سبحانه أن علم القيامة ووقت قيامها لا يعلمه غيره فقال :

[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 47 إلى 48 ]

إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ( 47 ) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ( 48 )
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ
أي علم سؤال الساعة ، أي السؤال عنها أي علم جواب هذا السؤال ، فإذا وقع السؤال عنها وجب على المسؤول أن يرد علمها إليه لا إلى غيره ، وأخذ الحصر من تقديم المعمول ، وقد روي أن المشركين قالوا : يا محمد إن كنت نبيا فخبرنا متى تقوم الساعة ، فنزلت هذه الآية
وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها
ما نافية ومن الأولى للاستغراق ؛ والثانية لابتداء الغاية وقيل ما موصولة في محل جر عطفا على الساعة أي علم الساعة وعلم التي تخرج ، والأول أولى . والأكمام جمع كم بكسر الكاف ، وهو روي الثمرة ، ويطلق على كل ظرف لمال أو غيره ، قال أبو عبيدة أكمامها أوعيتها ، وهي ما كانت فيه الثمرة واحدها : كم وكمة ، قال الراغب : الكم ما يغطي اليد من القميص وما يغطي الثمرة وجمعه أكمام ، وهذا يدل على أن الكم بضم الكاف لأنه جعله مشتركا بين كم القميص وكم الثمرة ، ولا خلاف في كم القميص أنه بالضم ، ويمكن أن يقال : إن في الكم الذي هو وعاء الثمر لغتين ، قرأ الجمهور من ثمرة بالإفراد على إرادة الجنس ، وقرىء بالجمع للاختلاف في أنواع الثمار ، قال قتادة من أكمامها حين تطلع .
وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى
حملا في بطنها
وَلا تَضَعُ
ذلك الحمل
إِلَّا بِعِلْمِهِ
أي علم اللّه سبحانه والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال ، أي ما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع في حال من الأحوال ملابسا لشيء من الأشياء إلا كائنا بعلم اللّه ، فإليه يرد علم الساعة كما يرد إليه علم هذه الأمور الحادثة ، وفيه دليل على أن أصحاب الكشف والكهان وأهل النجوم لا يمكنهم القطع والجزم في شيء مما يقولونه البتة ، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف ، أو وهم خفيف ، قد لا يصيب ، وعلم اللّه هو العلم اليقين المقطوع به الذي لا يشركه فيه أحد .