تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها ، موجبة لامتثال الأمر
وَمَنْ كَفَرَ
أي : من جعل كفر النعمة مكان شكرها
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ
عن شكره غير محتاج إليه
حَمِيدٌ
مستحق للحمد من خلقه ، لإنعامه عليهم بنعمه التي لا يحاط بقدرها ، ولا يحصر عددها ، وإن لم يحمده أحد ، فإن كل موجود ناطق بحمده بلسان الحال ، قال يحيى بن سلام : غني عن خلقه ، حميد في فعله .
وَ
اذكر
إِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ
قال السهيلي : واسم ابنه ثاران في قول ابن جرير ، والقتيبي ، وقال الكلبي : مشكم ، وقال النقاش : أنعم وقيل : مأتان ، قال القشيري : كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظهما حتى أسلما ودل على هذا قوله :
لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
، والتقدير آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكرا في نفسه ، وحين جعلناه واعظا لغيره .
وَهُوَ يَعِظُهُ
أي : والحال أنه يخاطبه بالموعظة التي ترغبه في التوحيد وتصده عن الشرك ، وذلك لأن أعلى مراتب الإنسان أن يكون كاملا في نفسه مكملا لغيره ، وبدأ بالأقرب إليه وهو ابنه فقال :
يا بُنَيَّ
تصغير إشفاق ومحبة
لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ
وهذا يدل على أنه كان كافرا كما تقدم . قال الخطيب ، والخازن : فرجع إليه وأسلم . وقيل : كان مسلما ونهاه أن يقع منه إشراك في المستقبل .
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه ، وبين من لا نعمة له أصلا ، وبدأ في وعظه بنهية عن الشرك ، لأنه أهم من غيره وقد اختلف في هذه الجملة ، فقيل : هي من كلام لقمان ، فتكون تعليلا لما قبلها ، وقيل : هي من كلام اللّه ، فتكون منقطعة عما قبلها ، ويؤيد هذا ما ثبت في الحديث الصحيح ، أنها لما نزلت :
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
[ الأنعام : 82 ] شق ذلك على الصحابة وقالوا : أينا لم يظلم نفسه ؟ فأنزل اللّه إن الشرك لظلم عظيم ، فطابت أنفسهم .

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 14 إلى 16 ]

وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 ) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 15 ) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 )
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ
أي : أمرناه أن يبرهما ، وهذه الوصية بالوادين وما بعدها إلى قوله :
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
اعتراض بين كلام لقمان على نهج الاستطراد ،
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 297 | صديق الحسيني القنوجي البخاري