تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
أخرج أحمد والنسائي ، والحاكم ، وصححه ، وغيرهم ، عن أسود بن سريع : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعث سرية إلى خيبر فقاتلوا المشركين فانتهى القتل إلى الذرية . فلما جاءوا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ما حملكم على قتل الذرية ؟ قالوا : يا رسول اللّه إنما كانوا أولاد المشركين ، قال : وهل خياركم إلا أولاد المشركين ؟ والذي نفسي بيده ، ما من نسمة تولد إلا على الفطرة ، حتى يعرب عنها لسانها » « 1 » . وأخرج أحمد من حديث جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه ، فإذا عبر عنه لسانه ، إما شاكرا وإما كفورا » « 2 » . وروى الإمام أحمد في المسند عن عياش بن حماد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خطب يوما فقال في خطبته حاكيا عن اللّه سبحانه : « وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم . وحرمت عليهم ما أحللت لهم » « 3 » الحديث . وهذا معاضد ، لحديث أبي هريرة المتقدم ، فكل فرد من أفراد الناس مفطور ، أي مخلوق على ملة الإسلام ، ولكن لا اعتبار بالإيمان والإسلام الفطريين ، وإنما يعتبر الإيمان والإسلام الشرعيان . وهذا قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم وقول جماعة من المفسرين ، وهو الحق . والقول بأن المراد بالفطرة هنا الإسلام هو مذهب جمهور السلف ، قال آخرون : هي البداءة التي ابتدأهم عليها فإنهم ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاوة ، والفاطر في كلام العرب : هو المبتدىء ، وهذا مصير من القائلين به إلى معنى الفطرة لغة . وإهمال معناها شرعا ، والمعنى الشرعي مقدم على المعنى اللغوي باتفاق أهل الشرع ، ولا ينافي ذلك ورود الفطرة في الكتاب أو السنة في بعض المواضع مرادا بها اللغوي . كقوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ فاطر : 1 ] أي خالقهما ومبتديهما ، وكقوله :
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي
[ يس : 22 ] إذ لا نزاع في أن المعنى اللغوي هو هذا ، ولكن النزاع في المعنى الشرعي للفطرة ، وهو ما ذكره الأولون كما بيناه . وانتصاب فطرة على أنها مصدر مؤكد للجملة التي قبلها . وقال الزجاج : منصوب بمعنى اتبع فطرة اللّه ، قال : لأن معنى
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ
اتبع الدين واتبع فطرة اللّه : وقال ابن جرير : هي مصدر من معنى فأقم وجهك ، لأن معنى ذلك فطرة اللّه الناس على الدين . وقيل : هي منصوبة على الإغراء ، أي الزموا فطرة اللّه ، أو عليكم فطرة اللّه ، ورد هذا الوجه أبو حيان ، وقال : إن كلمة الإغراء لا تضمر ، إذ هي عوض عن الفعل ، فلو حذفها لزم حذف العوض والمعوض عنه ، وهو
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 353 ، 435 ، 4 / 24 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 24 ، ومسلم في القدر حديث 23 . ( 3 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 63 ، وأحمد في المسند 4 / 162 .