تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
بالإشراك ، وفيه الإضراب مع الالتفات وأقيم الظاهر مقام الضمير للتسجيل عليهم بوصف الظلم
أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
أي : لم يعقلوا الآيات بل اتبعوا أهواءهم الزائغة ، وآراءهم الفاسدة الزائفة ، والمعنى جاهلين بأنهم على ضلالة .
فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ
أي : لا أحد يقدر على هدايته ، لأن الرشاد والهداية بتقدير اللّه وإرادته
وَما لَهُمْ
أي : ما لهؤلاء الذين أضلهم اللّه ، والجمع باعتبار معنى من
مِنْ ناصِرِينَ
ينصرونهم ، ويحولون بينهم وبين عذاب اللّه سبحانه ؛ ثم أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بتوحيده وعبادته كما أمره فقال :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
شبه الإقبال على الدين بتقويم وجهه إليه ، وإقباله عليه ؛ أي مائلا إليه مستقيما عليه غير ملتفت إلى غيره من الأديان الباطلة فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه وسدد إليه نظره ، وقوم له وجهه مقبلا عليه .
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
الفطرة في الأصل الخلقة ، والمراد بها هنا الملة وهي الإسلام والتوحيد . قال الواحدي : هذا قول المفسرين في الفطرة وقيل : المراد بها قابلية الدين والتهيوء له ، وترسم الفطرت بالتاء المجرورة وليس في القرآن غيرها ، والمراد بالناس هنا الذين فطرهم اللّه على الإسلام ، لأن المشرك لم يفطر على الإسلام ، وهذا الخطاب وإن كان خاصا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأمته داخلة معه فيه . قال القرطبي : باتفاق من أهل التأويل ، والأولى حمل الناس على العموم من غير فرق بين مسلمهم وكافرهم ، وأنهم جميعا مفطورون على ذلك لولا عوارض تعرض لهم ، فيبقون بسببها على الكفر ، كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من مولود إلا يولد على الفطرة » وفي رواية : على هذه الملة ، ولكن أبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه : كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء . هل تحسون فيها جدعاء ؟ ثم يقول أبو هريرة : واقرأوا إن شئتم
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
« 1 » وفي رواية : حتى تكونوا أنتم تجدعونها .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز باب 79 ، 92 ، وتفسير سورة 30 ، باب 1 ، والقدر باب 3 ، ومسلم في القدر حديث 22 ، 24 ، وأبو داود في السنة باب 17 ، ومالك في الجنائز حديث 53 ، وأحمد في المسند 2 / 233 ، 275 ، 315 ، 347 ، 393 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 273 | صديق الحسيني القنوجي البخاري