تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
إنهم سيغلبون » فذكره أبو بكر لهم فقالوا : اجعل بيننا وبينك أجلا ، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا ؛ وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا ، فجعل بينهم أجلا خمس سنين فلم يظهروا فذكر ذلك أبو بكر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : ألا جعلته أراه قال دون العشرة ، فظهرت الروم بعد ذلك . فذلك قوله :
ألم غُلِبَتِ الرُّومُ
، فغلبت ثم غلبت بعد . قال سفيان : سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر . وعن البراء بن عازب نحوه ، وزاد أنه لما مضى الأجل ولم تغلب الروم فارس ساء النبي صلّى اللّه عليه وسلم ما جعله أبو بكر من المدة وكرهه ، وقال : ما دعاك إلى هذا ؟ قال : تصديقا للّه ولرسوله ، فقال : تعرض لهم وأعظم الخطة ، واجعله إلى بضع سنين ، فأتاهم أبو بكر فقال : هل لكم في العود ، فإن العود أحمد ، قالوا : نعم ، فلم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس ، وربطوا خيولهم بالمدائن ، وبنوا رومية فقمر أبو بكر « 1 » ، فجاء به أبو بكر يحمله إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : هذا السحت تصدق به . ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد : أن العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار ، وقد احتجا على صحة ذلك بهذه القصة والقصة حجة عليهما ، لا لهما لأنها كانت قبل تحريم القمار ، وفيه : هذه السحت تصدق به .
وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
أي : والروم من بعد غلب فارس إياهم
سَيَغْلِبُونَ
أهل فارس ، والغلب والغلبة لغتان
فِي بِضْعِ سِنِينَ
قد تقدم تفسير البضع واشتقاقه في سورة يوسف ، والمراد هنا : ما بين الثلاثة إلى العشرة ، وقيل : إلى التسع ، وقيل : إلى السبع ، وقيل : ما دون العشرة ، وإنما أبهم البضع ولم يبينه ، وإن كان معلوما لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم لإدخال الرعب والخوف عليهم في كل وقت ، كما يؤخذ ذلك من تفسير الفخر الرازي . أخرج الترمذي « 2 » وصححه ، والدارقطني في الأفراد ، والطبراني ، وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل ، والبيهقي في الشعب ، عن نيار بن مكرم الأسلمي قال : لما نزلت : ألم غلبت الروم الآية ، كانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين الروم ، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل الكتاب ، وفي ذلك يقول اللّه :
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ
الخ وكانت قريش تحب ظهور فارس ، لأنهم وإياهم ليسوا أهل كتاب ولا إيمان ببعث ، فلما أنزل اللّه هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة : ألم غلبت الروم في أدنى الأرض ، وهم من بعد غلبهم سيغلبون ، في بضع سنين فقال ناس من قريش لأبي بكر : ذلك بيننا وبينكم ، يزعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين ، أفلا نراهنك على ذلك ؟ فقال : بلى ، وذلك قبل تحريم
هامش
( 1 ) قمر أبو بكر : أي كسب الرهان ، وهو من القمار الذي حرم بعد ذلك . ( 2 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 30 ، باب 4 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 259 | صديق الحسيني القنوجي البخاري