تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
إِنَّ ذلِكَ
أي الخلق الأول والثاني
عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
لأنه إذا أراد أمرا قال له كن فيكون ، فكيف ينكرون الثاني ، ثم أمر سبحانه إبراهيم أن يأمر قومه بالمسير في الأرض ليتفكروا ويعتبروا ، فقال :
قُلْ
لمنكري البعث
سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ
على كثرتهم ؛ واختلاف ألوانهم وطبائعهم ، وألسنتهم ، وانظروا إلى مساكن القرون الماضية ، والأمم الخالية ، وآثارهم ، لتعلموا بذلك كمال قدرة اللّه ، فإن من قدر على إنشائها بدءا يقدر على إعادتهم ، وقيل : إن المعنى قل لهم يا محمد سيروا ومعنى قوله :
ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ
إن اللّه الذي بدأ النشأة الأولى وخلقها على تلك الكيفية ، ينشئها نشأة ثانية عند البعث ، أي فكما لم يتعذر عليه إحداثهم مبدئا كذلك لا يتعذر عليه إنشاؤهم معيدا بعد الموت . ثانيا وهذا دليل على أنهما نشأتان وإن كل واحد منهما إنشاء أي ابتداء واختراع ، وإخراج من العدم إلى الوجود ، غير أن الآخرة إنشاء بعد إنشاء مثله ، والأولى ليست كذلك ، والجملة عطف على جملة : سيروا في الأرض داخلة معها في حيز القول . قال ابن عباس : النشأة الآخرة : هي الحياة بعد الموت وهو النشور ، قرىء النشأة بالقصر وسكون الشين ، وبالمد وفتح الشين وهما لغتان كالرأفة والرآفة ، وهي منتصبة على المصدرية بحذف الزوائد ، والأصل الإنشاءة أو على حذف العامل أي ينشئ فينشئون النشأة
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ
من البداءة والإعادة
قَدِيرٌ
والجملة تعليل لما قبلها .
يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
تعذيبه بعد النشأة الآخرة بالخذلان ، وهم الكفار والعصاة
وَيَرْحَمُ
بالهداية
مَنْ يَشاءُ
رحمته وهم المؤمنون به ، المصدقون لرسله ، العاملون بأوامره ونواهيه ، أو المعنى : يعذب بالحرص ، ويرحم بالقناعة ، أو بسوء الخلق وحسنه ، أو بالإعراض عن اللّه ، وبالإقبال عليه ، أو بمتابعة البدع ، وبملازمة السنة ، وقدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة لأن السابق ذكر الكفار فذكر العذاب أولا لسبق ذكر مستحقيه
وَإِلَيْهِ
لا إلى غيره
تُقْلَبُونَ
أي ترجعون وتردون .
وَما أَنْتُمْ
الخطاب لبني آدم وهم من أهل الأرض وليس في وسعهم الهرب في السماء لكن المقصود امتناع الفوات على جميع الأحوال
بِمُعْجِزِينَ
ربكم عن إدراككم
فِي الْأَرْضِ
الفسيحة
وَلا فِي السَّماءِ
التي هي أفسح منها ، قال الفراء : ولا من في السماء بمعجزين اللّه فيها قال : وهو كما في قول حسان :
فمن يهجو رسول اللّه منكم * ويمدحه وينصره سواء « 1 »
هامش
( 1 ) البيت من الوافر ، وهو في ديوان حسان بن ثابت ص 76 ، وتذكرة النحاة ص 70 ، والدرر 1 / 296 ، ومغني اللبيب ص 625 ، والمقتضب 2 / 137 ، والبيت بلا نسبة في شرح الأشموني ص 82 ، وهمع الهوامع 1 / 88 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 228 | صديق الحسيني القنوجي البخاري