تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
كلها ، وأنه يختبر مؤمني هذه الأمة كما اختبر من قبلهم من الأمم كما جاء في غير موضع من قصص الأنبياء ، وما وقع لهم من قومهم من المحن ، وما اختبر للّه به أتباعهم ، ومن آمن بهم ، من تلك الأمور التي نزلت بهم ، فمنهم من نشر بالمنشار ، ومنهم من قتل ، ومنهم من ألقي في النار ومنهم من مشط بأمشاط الحديد ، ما يصرفه ذلك عن دينه ، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون فكان يسومهم العذاب ، والمقصود التنبيه على خطئهم في هذا الحسبان ، والمعنى : أحسبوا ذلك ؟ وقد علموا أنه خلاف سنة اللّه ، ولن تجد لسنة اللّه تحويلا .
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
في قولهم : آمنا ، علم مشاهدة
وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
منهم في ذلك ، أي ليظهر اللّه الصادق والكاذب في قولهم ، ويميز بينهم ، وقرىء بضم الياء وكسر اللام ، والمعنى أنه يعلم الطائفتين في الآخرة بمنازلهم ، أو يعلم الناس بصدق من صدق ، ويفضح الكاذبين بكذبهم ، أو يضع لكل طائفة علامة تشتهر بها وتتميز عن غيرها . وقيل : إن علم صفة يظهر فيها كل ما يقع ، وما هو واقع ، إلا أن قبل التكليف يعلم أن زيدا مثلا سيطيع وعمرا سيعصي . ثم بعد التكليف يعلم أنه مطيع ، والآخر عاص ، ولا يتغير علمه في شيء من الأحوال ، وإنما المتغير هو المعلوم ، وأتى بصيغة الفعل في
صَدَقُوا
وباسم الفاعل في
الْكاذِبِينَ
لأن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ، ورسوخه فيه ، والفعل الماضي لا يدل عليه لأن وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام ، وعن قوم مستمرين على الكفر ، فعبر في حق الأولين بلفظ الفعل ، وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات ، قاله زاده .
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
أي الشرك والمعاصي
أَنْ يَسْبِقُونا
أي أن يفوتونا فلا ننتقم منهم ، ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما يعملون ، و
أَمْ
هي المنقطعة ، وهي الإضراب فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه ، وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه ، وقالوا : الأول في المؤمنين ، وهذا في الكافرين المشركين .
ساءَ ما يَحْكُمُونَ
أي بئس الذي يحكمونه حكمهم هذا . وقال الزجاج : ( ما ) في موضع نصب بمعنى ساء شيئا أو حكما يحكمون ، قال : ويجوز أن تكون ( ما ) في موضع رفع بمعنى ساء الشيء ، أو الحكم حكمهم . وقال ابن كيسان : ساء حكمهم .
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ
الرجاء بمعنى الطمع ، قاله سعيد بن جبير ، وقيل : الرجاء هنا بمعنى الخوف ، قال القرطبي : وأجمع أهل التفسير على أن المعنى من كان يخاف الموت ، وقيل البعث والحساب قال الزجاج : أي ثواب المصير إليه تعالى ، فالرجاء على هذا معناه الأمل و
مَنْ
موصولة ، أو شرطية ، والجزاء قوله :