المعنى أن الشؤم الذي أصابكم هو من عند اللّه لسبب كفركم ، وهذا كقوله تعالى :
يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ
[ الأعراف : 131 ] وقيل : طائركم عملكم ، وسمي طائرا لسرعة صعوده إلى السماء ، ثم أوضح لهم سبب ما هم فيه بأوضح بيان فقال :
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
أي تمتحنون وتختبرون ، وقيل : تعذبون بذنوبكم ، وقيل : يفتنكم غيركم ، وقيل : يفتنكم الشيطان بما تقعون فيه من الطيرة أو بما لأجله تطيرون ، فأضرب عن ذكر الطائر إلى ما هو السبب الداعي إليه ، وجاء بالخطاب مراعاة لتقدم الضمير ، ولو روعي ما بعده لقيل : يفتنون ، بياء الغيبة ، وهو جائز ، ولكنه مرجوح ، تقول : أنت رجل تفعل ويفعل ، ونحن قوم نقر ويقرون .
وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ
التي كان فيها صالح ، وهي الحجر ، كذا قال المفسرون هنا ، وتقدم في سورة الحجر أنه واد بين المدينة والشام ، وهو ديار ثمود .
تِسْعَةُ رَهْطٍ
أي : تسعة رجال أو أشخاص من أبناء الأشراف وبهذا الاعتبار وقع تمييزا للتسعة لا باعتبار لفظه ، والإضافة بيانية ، أي : تسعة هم رهط ، والرهط اسم جماعة ، فكأنهم كانوا رؤساء يتبع كل واحد منهم جماعة ، وقيل : الرهط ما دون العشرة من الرجال ، ليس فيه امرأة ، وسكون الهاء أفصح من فتحها ، وهو جمع لا واحد له من لفظه ؛ وقيل : الرهط من سبعة إلى عشرة وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر ، قال ثعلب : الرهط والنفر والقوم والمعشر والعشيرة معناهم الجمع ، لا واحد لها من لفظها وهو للرجال دون النساء ، وقال ابن السكيت : الرهط والعترة بمعنى ، وقال الأصمعي : الرهط ما فوق العشرة إلى الأربعين ، ونقله ابن فارس أيضا .
والجمع أرهط وأراهط ، وهؤلاء التسعة هم أصحاب قدار ، عاقر الناقة ، وكانوا عتاة قوم صالح . وقد اختلف في أسماء هؤلاء التسعة اختلافا كثيرا لا حاجة إلى التطويل بذكره ، ثم وصف هؤلاء بقوله :
يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ
أي شأنهم وعملهم الفساد في الأرض لا في المدينة فقط ، فسادا لا يخالطه شيء من الإصلاح ، قيل : كانوا يتبعون معائب الناس ، ولا يسترون عوراتهم . وقيل : كانوا يظلمون ولا يمنعون الظالمين .
قالُوا تَقاسَمُوا
أي قال بعضهم لبعض : حلفوا
بِاللَّهِ
هذا على أن
تَقاسَمُوا
فعل أمر ويجوز أن يكون فعلا ماضيا مفسرا ل ( قالوا ) كأنه قيل : ما قالوا ؟
فقال : تقاسموا ، أو قالوا ذلك متقاسمين ، وإليه ذهب الزمخشري وقرأ ابن مسعود ( تقاسموا باللّه ) ليس فيها قالوا .
لَنُبَيِّتَنَّهُ
اللام جواب قسم ، أي لنأتينه بغتة في وقت البيات ، فنقتله ليلا