تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ
إذا ، هي الفجائية أي ففاجأ إرساله التفرق والاختصام ، والمراد بالفريقين : المؤمنون منهم والكافرون ، ومعنى الاختصام : أن كل فريق يخاصم على ما هو فيه ، ويزعم أن الحق معه ، وقيل : إن الخصومة بينهم في صالح ، هل هو مرسل ؟ أم لا ؟ وقال أحد الفريقين : صالح ، والآخر : جميع قومه ، وهو ضعيف ، وقد تقدم حكاية اختصام الفريقين في سورة الأعراف ، في قوله :
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ
[ الأعراف : 75 ] الآية .

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 46 إلى 49 ]

قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 46 ) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ( 47 ) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ( 48 ) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 49 )
قالَ
صالح للمكذبين :
يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ
قال مجاهد : أي بالعذاب قبل الرحمة . والمعنى لم تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب ؟ وتقدمون الكفر الذي يجلب إليكم العقوبة ؟ وقد كانوا لفرط كفرهم يقولون : ائتنا يا صالح بالعذاب ، ووصف العذاب بأنه سيئة مجازا ، إما لأن العقاب من لوازمه ، أو لأنه يشبهه في كونه مكروها .
لَوْ لا
هلا
تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ
وتتوبون إليه من الشرك
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
أي : رجاء أن ترحموا أو لكي ترحموا فلا تعذبوا ، فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر ، فكان جوابهم عليه بعد هذا الإرشاد الصحيح والكلام اللين أنهم قالوا :
اطَّيَّرْنا بِكَ
أصله تطيرنا ، وقد قرىء بذلك ، والتطير التشاؤم ، أي : تشاءمنا بك ، وأصابنا الشؤم والضيق والشدة بك
وَبِمَنْ مَعَكَ
ممن أجابك ، ودخل في دينك ، وذلك لأنه أصابهم قحط فتشاءموا بصالح ، وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة ، وأشقاهم بها ، وكانوا إذا أرادوا سفرا أو أمرا من الأمور نفروا طائرا من وكره ، فإن طار يمنة ساروا وفعلوا ما عزموا عليه ، وإن طار يسرة تركوا ذلك . وفي القرطبي : لا شيء أضر بالرأي ، ولا أفسد للتدبير ، من اعتقاد الطيرة ، ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء ، أو يدفع مقدورا فقد جهل ؛ فلما قالوا ذلك
قالَ
لهم صالح :
طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أي ما يصيبكم من الخير والشر بأمر اللّه ، وهو مكتوب عليكم ، سمي طائرا لأنه لا شيء أسرع من نزول القضاء المحتوم ، والمعنى ليس ذلك بسبب الطيرة التي تشاءمون بها ، بل سبب ذلك عند اللّه ، وهو ما يقدره عليكم . وقيل :
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 141 | صديق الحسيني القنوجي البخاري