تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 564

مساهمون:

ص٥٦٤
الاستثناء إلى جملة الجلد ، فالقاذف يجلد عند الجميع سواء تاب أو لم يتب ومما يؤيد ما قررناه ويقويه أن المانع عن قبول الشهادة وهو الفسق المتسبب عن القذف قد زال فلم يبق ما يوجب الرد للشهادة . واختلف العلماء في صورة توبة القاذف ، فقال عمر بن الخطاب والشعبي والضحاك وأهل المدينة : إن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي وقع منه ، وأقيم عليه الحد بسببه ، وقالت فرقة منهم مالك وغيره : إن توبته تكون بأن يحسن حاله ويصلح عمله ويندم على ما فرط منه ويستغفر اللّه من ذلك ويعزم على ترك العود إلى مثله وإن لم يكذب نفسه ولا رجع عن قوله ، وقد أجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الذنب ولو كان كفرا فتمحو ما هو دون الكفر بالأولى وحكى هذا الاجماع القرطبي .
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ
في الأمر والنهي لتعملوا بذلك وتتأدبوا بآداب اللّه وتنزجروا عن الوقوع في محارمه
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بما تبدونه وما تخفونه أو بأمر عائشة وصفوان
حَكِيمٌ
في تدبيراته لخلقه أو في حكمه ببراءتهما ثم هدد سبحانه القاذفين ومن أراد أن يتسامع الناس بعيوب المؤمنين وذنوبهم فقال :

[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 19 إلى 21 ]

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 19 ) وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 20 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 21 )
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ
هي فاحشة الزنا ، والقول السييء ، أي يحبون أن تفشوا الفاحشة وتنتشر من قولهم شاع الشيء يشيع شيوعا وشيعا وشيعانا إذا ظهر وانتشر ، والمراد بشيوعها شيوع خبرها . قال علي بن أبي طالب : قائل الفاحشة والذي شيع بها في الإثم سواء .
فِي الَّذِينَ آمَنُوا
أي المحصنين العفيفين أو كل من اتصف بصفة الإيمان
لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا
بإقامة الحد عليهم
وَالْآخِرَةِ
بعذاب النار
وَاللَّهُ يَعْلَمُ
جميع المعلومات
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
إلا ما علمكم به وكشفه لكم . ومن جملة ما يعلمه اللّه عظم ذنب القذف وعقوبة فاعله .
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
لعاجلكم بالعقوبة ومن رأفته لعباده أن لا يعاجلهم بذنوبهم ، ومن رحمته لهم أن يتقدم إليهم بمثل هذا الاعذار
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 564 | صديق الحسيني القنوجي البخاري