عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر ولم يقل ظننتم بأنفسكم خيرا ، وقلتم ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات وليدل التصريح بلفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن ، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له ، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما يسمعه بإخوانه ، وكفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع .
قال العلماء : في الآية دليل على أن درجة الإيمان والعفاف لا يزيلها الخبر المحتمل وإن شاع .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال : بلى وذلك الكذب ، أكنت أنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ قالت : لا واللّه ، قال : فعائشة خير منك وأطيب ، إنما هذا كذب وإفك باطل ، فلما نزل القرآن ذكر اللّه من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك ، ثم قال :
لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ
الآية ، أي كما قال أبو أيوب وصاحبته .
وَقالُوا
أي قال المؤمنون عند سماع الإفك
هذا إِفْكٌ مُبِينٌ
أي كذب بين ظاهر مكشوف لا حقيقة له ،
وقوله :
لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ
من تمام ما يقوله المؤمنون ، أي هلا جاء الخائضون في الإفك
بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
يشهدون على ما قالوا .
فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ
أي الخائضون في الإفك
عِنْدَ اللَّهِ
أي في حكمه وقضائه الأزلي ، أو شرعه المؤسس على الدلائل الظاهرة المتقنة
هُمُ الْكاذِبُونَ
أي القاذفون الكاملون في الكذب ،
وهذا من باب الزواجر
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
هذا خطاب للسامعين ، وفيه زجر عظيم
وَلَوْ لا
هذه لامتناع الشيء لوجود غيره . والمعنى لولا أني قضيت عليك بالفضل في الدنيا بالنعم التي من جملتها الامهال للتوبة ، والرحمة في الآخرة بالعفو .
لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ
أي بسبب ما أفضتم
فِيهِ
من حديث الإفك ، والابهام لتهويل أمره ، يقال : أفاض في الحديث واندفع ، وخاض بمعنى
عَذابٌ عَظِيمٌ
أي لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك : وقيل المعنى لولا فضل اللّه عليكم لمسّكم العذاب في الدنيا والآخرة معا ، ولكن برحمته ستر عليكم في الدنيا ويرحم في الآخرة في أتاه تائبا .
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
من التلقي ، والأصل تتلقونه .
قال مقاتل ومجاهد : المعنى يرويه بعضكم عن بعض . قال الكلبي : وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا وكذا ويتلقونه تلقيا .