بأعظم جرما من مرتكب الزنا ، والزاني إذا تاب قبلت شهادته لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له « 1 » ، وإذا قبل اللّه التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى ، مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن ، منها قوله :
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ
[ المائدة : 33 ] إلى قوله :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
[ البقرة : 160 ] ولا شك أن هذا الاستثناء يرجع إلى الجميع ، قال الزجاج : وليس القاذف بأشد جرما من الكافر فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته قال وقوله :
أَبَداً
أي ما دام قاذفا كما يقال : لا تقبل شهادة الكافر أبدا ، فإن معناه ما دام كافرا انتهى .
وعن ابن عباس في الآية قال : تاب اللّه عليهم من الفسوق ، وأما الشهادة فلا تجوز وعن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي بكرة : إن تبت قبلت شهادتك وعنه قال :
توبتهم إكذابهم أنفسهم ، فإن أكذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم ، وعن ابن عباس أيضا قال : من تاب وأصلح فشهادته في كتاب اللّه تقبل .
وفي الباب روايات عن التابعين وقصة المغيرة في خلافة عمر مروية عن طرق معروفة ، وأخرج البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بشريك ابن سحماء ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « البينة وإلا حد في ظهرك » ، فقال : يا رسول اللّه إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة ؟ فجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « البينة وإلا حد في ظهرك » ، فقال هلال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ، ولينزلن اللّه ما يبرئ ظهري من الحد ونزل جبريل فأنزل عليه
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ
حتى بلغ
إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ
[ النور : 9 ] فانصرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : اللّه يعلم أن أحدكما لكاذب فهل منكما تائب ؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقوفها وقالوا إنها موجبة ، فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ، ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم ، فمضت فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج « 2 » الساقين فهو لشريك ابن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لولا ما مضي من كتاب اللّه لكان لي ولها شأن » « 3 » .
وأخرج هذه القصة أبو داود الطيالسي وعبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن ابن عباس مطولة
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب 30 .
( 2 ) الخدلج : الممتلىء لحما .
( 3 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 4 ، باب 3 ، وأبو داود في الطلاق باب 27 ، والترمذي في تفسير سورة 24 ، باب 3 ، وابن ماجة في الطلاق باب 27 .