وَحُرِّمَ ذلِكَ
أي الزنا أو نكاح الزواني لما فيه من التشبه بالفسقة والتعرض للتهمة والطعن في النسب والتسبب لسوء المقالة وغير ذلك من المفاسد ، ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام فكيف بمزاوجة البغايا والقحاب وقيل هو مكروه فقط ؛ وعبر بالتحريم عن كراهة التنزيه مبالغة في الزجر .
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
الأخيار الأبرار فعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة ويتصون عنها ، وقدمت الزانية على الزاني أولا ثم قدم عليها ثانيا ، لأن تلك الآية سبقت لعقوبتهما على ما جنيا ، والمرأة هي المادة التي منها نشأت تلك الجناية ، لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن ، فلما كانت أصلا في ذلك بدىء بذكرها . وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه الخاطب ومنه بدىء الطلب .
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ
استعار الرمي للشتم بفاحشة الزنا لكونه جناية بالقول ويسمى هذا الشتم بهذه الفاحشة الخاصة قذفا ، أي يشتمون
الْمُحْصَناتُ
أي النساء العفيفات بالزنا ، وكذا المحصنين ، وإنما خصهن بالذكر لأن قذفهن أشنع ، والعار فيهن أعظم ، ويلحق الرجال بالنساء في هذا الحكم بلا خلاف بين علماء هذه الأمة ، وقد جمع الشوكاني في ذلك رسالة رد بها على بعض المتأخرين من علماء القرن الحادي عشر لما نازع في ذلك .
وقيل إن الآية تعم الرجال والنساء ، والتقدير الأنفس المحصنات ، ويؤيد هذا قوله في آية أخرى :
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ
[ النساء : 24 ] ، فإن البيان بكونهن من النساء يشعر بأن لفظ المحصنات يشمل غير النساء وإلا لم يكن للبيان كثير معنى ؛ وقيل أراد بالمحصنات الفروج ؛ كما قال :
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها
[ الأنبياء : 91 ] ، فتتناول الآية الرجال والنساء ؛ وقيل إن لفظ المحصنات وإن كان للنساء لكنه ههنا يشمل النساء والرجال تغليبا ، وفيه أن تغليب النساء على الرجال غير معروف في لغة العرب ، وقد مضى في سورة النساء ذكر الإحصان وما يحتمله من المعاني ؛ وللعلماء في الشروط المعتبرة في المقذوف والقاذف أبحاث مطولة مستوفاة في كتب الفقه ، منها ما هو مأخوذ من دليل منها ما هو مجرد رأي بحت .
قرىء المحصنات بفتح الصاد وكسرها ، وذهب الجمهور من العلماء أنه لا حد على من قذف كافرا أو كافرة . وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى : يجب عليه الحد . وذهب الجمهور أيضا إلى أن العبد يجلد أربعين جلدة .
وقال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وقبيصة : يجلد ثمانين قال القرطبي :
وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى عليه لتباين مرتبتهما .