تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
وقد ثبت في الصحيح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أن من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن تكون كما قال » « 1 » وشرائط الإحصان خمسة : الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنا ؛ والمحصن كالمحصنة في وجوب حد القذف ؛ وبسط الكلام في هذا في كتب الفروع . ثم ذكر سبحانه شرطا لإقامة الحد على من قذف المحصنات فقال :
ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
يشهدون عليهن بوقوع الزنا منهن برؤيتهم . ولفظ
ثُمَّ
يدل على أنه يجوز أن تكون شهادة الشهود في غير مجلس القذف . وبه قال الجمهور . وخالف في ذلك مالك . وظاهر الآية أنه يجوز أن تكون الشهود مجتمعين ومفترقين ، وخالف في ذلك الحسن ومالك ، وإذا لم يكمل الشهود أربعة كانوا قذفة يحدون حد القذف . وقال الحسن والشعبي : إنه لا حد على الشهود ولا على الشهود عليه . وبه قال أحمد وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن ، ويرد ذلك ما وقع في خلافة عمر رضي اللّه عنه من جلده للثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا ، ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة . وقد اختلف في إعراب
شُهَداءَ
على أقوال ، ثم بين اللّه سبحانه ما يجب على القاذف فقال :
فَاجْلِدُوهُمْ
أي كل واحد منهم
ثَمانِينَ جَلْدَةً
الجلد الضرب كما تقدم والمجالدة المضاربة في الجلود أو بالجلود ، ثم استعير للضرب بالعصا والسيف وغيرهما ، وقد تقدم بيان الجلد قريبا .
وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً
أي فاجمعوا لهم بين الأمرين ، الجلد وترك قبول الشهادة في شيء لأنهم قد صاروا بالقذف غير عدول بل فسقة كما حكم اللّه به عليهم في آخر هذه الآية . ومعنى
أَبَداً
ما داموا في الحياة ، ثم بين سبحانه حكمهم بعد صدور القذف منهم وإصرارهم عليه وعدم رجوعهم إلى التوبة فقال :
وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
لإتيانهم كبيرة ، وهذه الجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها ، والفسق هو الخروج عن الطاعة ومجاوزة لحد المعصية ، وفيه دليل على أن القذف من الكبائر لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة ، ثم بين اللّه سبحانه أن هذا التأييد لعدم قبول شهادتهم هو مع عدم التوبة فقال :

[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 5 إلى 11 ]

إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 6 ) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 7 ) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ ( 8 ) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 9 ) وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ( 10 ) إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 11 )
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الحدود باب 45 ، ومسلم في الإيمان حديث 37 ، وأبو داود في الأدب باب 124 ، والترمذي في البر باب 30 ، وأحمد في المسند 2 / 431 ، 500 .