إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
أي إن كنتم تصدقون بالتوحيد والبعث الذي فيه جزاء الأعمال لا تعطلوا الحدود ، وفي إلهاب الغضب للّه ولدينه ، وذلك لأن الإيمان بهما يقتضي التجلد في طاعة اللّه وفي إجراء أحكامه ، وذكر اليوم الآخر لتذكير ما فيه من العقاب في مقابلة المسامحة في الحدود وتعطيلها ، والحاصل أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين اللّه ويستعملوا الحث والمتانة ولا يأخذهم اللين والهوان في استيفاء حدود اللّه ، وكفى برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسوة في ذلك حيث قال : « لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها » « 1 » .
وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما
أي لتحضر الجلد إذا أقيم عليهما زيادة في التنكيل بهما وشيوع العار عليهما واشتهار فضيحتهما
طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
ندبا ، والطائفة الفرقة التي تكون حافة حول الشيء من الطوف ، وأقلها ثلاثة ، لأنه أقل الجمع ، وقيل اثنان . قاله عكرمة .
وقيل واحد . قاله مجاهد . وقيل أربعة لأنهم عدد شهود الزنا . وقيل عشرة .
قال ابن عباس : الطائفة الرجل فما فوقه ، ولا يجب على الإمام حضور رجم ، ولا على الشهود ، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر رجمهما ، وإنما خص المؤمنين بالحضور لأن ذلك أفضح ، والفاسق بين صلحاء قومه أخجل ، وتسمية الجلد عذابا دليل على أنه عقوبة ،
ثم ذكر سبحانه شيئا يختص بالزاني والزانية فقال :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
يعني أن الغالب أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح ، والثانية لا يرغب فيها الصلحاء ، فإن المشاكلة علة الألفة والتضامّ ، والمخالفة سبب للنفرة والافتراق وقد اختلف أهل العلم في معنى هذه الآية على أقوال :
الأول : أن المقصود منها تشنيع الزنا وتشنيع أهله ، وأنه محرم على المؤمنين ، ويكون معنى
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً
الوطء لا العقد ، أي الزاني لا يزني إلا بزانية والزانية لا تزني إلا بزان ، وزاد ذكر المشركة والمشرك ، لكون الشرك أعم في المعاصي من الزنا .
وردّ هذا الزجاج وقال : لا يعرف النكاح في كتاب اللّه إلا بمعنى التزويج ، ويردّ هذا الرد بأن النكاح بمعنى الوطء ثابت في كتاب اللّه سبحانه . ومنه قول :
حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ
[ البقرة : 230 ] فقد بينه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن المراد به الوطء . ومن جملة القائلين بأن معنى الآية الزاني لا يزني إلا بزانية سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 54 ، والمغازي باب 53 ، والحدود باب 11 ، ومسلم في الحدود حديث 9 ، وأبو داود في الحدود باب 4 ، والترمذي في الحدود باب 6 ، والنسائي في السارق باب 6 ، وابن ماجة في الحدود باب 6 ، والدارمي في الحدود باب 5 .