تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
وقيل إن ذلك جرى على لسانه سهوا ونسيانا وهما مجوزان على الأنبياء ، ويرد بأن السهو والنسيان فيما طريقه البلاغ غير جائز ، كما هو مقرر في مواطنه ، قال الضحاك : يعني بالتمني التلاوة ، والقراءة فينسخ اللّه أي جبريل بأمر اللّه ما ألقى الشيطان على لسان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقال مجاهد : إذا تمنى أي تكلم وأمنيته كلامه ، فأخبر تعالى في هذه الآية أن سنة اللّه في رسله إذا قالوا قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه فهذا نص في أن الشيطان زاد في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قاله لأنه معصوم ، وقد سبق إلى ذلك الطبري مع جلالة قدرة وسعة علمه وشدة ساعده في النظر فصوب هذا المعنى قاله الحافظ في الفتح ؛ ثم لما سلاه سبحانه بهذه التسلية وأنها قد وقعت لمن قبله من الرسل والأنبياء بين سبحانه أنه يبطل ذلك ولا يثبته ولا يستمر تغرير الشيطان فقال :
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
أي يبطله ويجعله ذاهبا غير ثابت
ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
أي يثبتها
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
أي كثير العلم والحكمة في كل أقواله وأفعاله .

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 53 إلى 55 ]

لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 53 ) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 54 ) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ( 55 )
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً
تعليل أي ذلك الالقاء الذي يلقيه الشيطان ضلالة ومحنة وبلية
لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
أي شكل ونفاق
وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
هم المشركون فإن قلوبهم لا تلين للحق أبدا ولا ترجع إلى الصواب بحال ثم سجل سبحانه على هاتين الطائفتين بأنهم ظالمون فقال :
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
أي عداوة شديدة ووصف الشقاق بالبعد مبالغة والموصوف به حقيقة من قام به ولما بين سبحانه أن ذلك الالقاء كان فتنة في حق أهل النفاق والشك والشرك بين أنه في حق المؤمنين العالمين باللّه العارفين به سبب لحصول العلم لهم بأن القرآن حق وصدق ، فقال :
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
أي التوحيد والقرآن والتصديق بنسخ اللّه ما يشاء
أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
أي : الحق النازل من عنده ، وقيل الضمير في
أَنَّهُ
راجع إلى تمكين الشيطان من الإلقاء لأنه مما جرت به عادته مع أنبيائه ؛ ولكنه يرد هذا قوله :
فَيُؤْمِنُوا بِهِ
فإن المراد الإيمان بالقرآن أي يثبتوا على الإيمان به .
فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ
أي تخشع وتسكن وتنقاد ، فإن الإيمان به وإخبات القلوب له