تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
أشركتم . والمعنى تطهيره من الكفر والأوثان والدماء والبدع وسائر النجاسات . وقيل : عنى به التطهير عن الأوثان فقط ، وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت وحوله قبل أن يبنيه إبراهيم ، وقيل المعنى نزهه أن يعبد فيه صنم ، وهذا أمر بإظهار التوحيد فيه . وقد مرّ في سورة براءة ما فيه كفاية في هذا المعنى .
لِلطَّائِفِينَ
الذين يطوفون بالبيت
وَالْقائِمِينَ
هم المصلون
وَ
ذكر قوله :
الرُّكَّعِ السُّجُودِ
بعده لبيان أركان الصلاة دلالة على عظم شأن هذه العبادة ، وقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا في البيت ، كالطواف عنده والصلاة إليه .
وَأَذِّنْ
أي ناد
فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ
أي بدعوته والأمر به ، وقرىء آذن بالمدّ والأذان الأعلام . وعن ابن عباس قال : لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال : قد فرغت ، قال : أذن في الناس بالحج ، قال : يا رب وما يبلغ صوتي ؟ قال : أذن وعليّ البلاغ ، قال : رب كيف أقول ؟ قال : « قل يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق » فسمعه من في السماء والأرض ، ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون ، وفي الباب آثار عن جماعة من الصحابة ؛ وبه قال جماعة من المفسرين ، وزادوا : فعلا على المقام ، فأشرف به حتى صار كأعلى الجبال . وقيل : علا على جبل أبي قبيس فلما صعده للنداء خفضت الجبال رؤوسها ورفعت له القرى فأدخل أصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا ، ونادى في الناس بالحج قال : يا أيها الناس إن ربكم بنى بيتا وكتب عليكم الحج إليه فأجيبوا ربكم ، فأجابه كل من كتب له أن يحج ممن كان في أصلاب الرجال وأرحام الأمهات ، لبيك اللهم لبيك . قال القسطلاني : فمن لبى مرة حج مرة ، ومن لبى مرتين حج مرتين ، ومن لبى أكثر حج بقدر تلبيته . انتهى ، قيل : أول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجا . وقيل إن الخطاب لنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمعنى أعلمهم يا محمد بوجوب الحج عليهم ، وعلى هذا فالخطاب لإبراهيم انتهى عند قوله :
وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
وقيل إن خطابه انتهى عند قوله
مَكانَ الْبَيْتِ
، وما بعده خطاب لنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أمره أن يقول ذلك في حجة الوداع . عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « يا أيها الناس قد فرض اللّه عليكم الحج فحجوا » « 1 » أخرجه مسلم ، قال في المدارك : والأول أظهر وقرأ الجمهور بالحج بفتح الحاء ، وابن إسحاق في كل القرآن بكسرها .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الحج حديث 412 ، والنسائي في المناسك باب 1 .