تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
يَأْتُوكَ رِجالًا
هذا جواب الأمر وعده اللّه إجابة الناس له إلى حج البيت ما بين راجل وراكب ، فمعنى رجالا مشاة جمع راجل وقيل : جمع رجل ، وقرىء بضم الراء رجالا ، وقرىء على وزن كسالى ، وقدم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي ، قال الكرخي : إذ للراكب بكل خطوة سبعون حسنة وللراجل سبعمائة من حسنات الحرم ، كل حسنة مائة ألف حسنة ، وإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حجا ماشيين ، انتهى . أقول : المعتمد في الباب أن الركوب أفضل من المشي لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حج راكبا كما في الروايات الصحيحة المشهورة ، وفضيلة الاتباع تربو على غيره ، وإن كان المشي فضيلة في نفسه سواء قدر على المشي أم لا قبل الإحرام وبعده ، والحديث الذي ذكره الكرخي تبعا للغزالي ، والرافعي ضعيف على ما فيه ، قاله ابن علان في مثير شوق الأنام إلى بيت اللّه الحرام ، وممن ضعّفه ابن حجر المكي في شرح العباب وشرح المنهاج . والجواب عن التقديم أنه قد لا يفيد التفضيل قطعا أو على الأصح ، وقد يتقدم المفضول ويتأخر الأفضل ، قال تعالى :
فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
[ التغابن : 2 ] وقال :
لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ
[ الحشر : 20 ] وقال :
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
[ الشرح : 6 ] إلى غير ذلك من الآيات فليعلم ، وقال :
يَأْتُوكَ
وإن كانوا يأتون البيت لأن من أتى الكعبة حاجا فقد أتى إبراهيم لأنّه أجاب نداءه .
وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ
أي وركبانا على كل بعير ، والضامر : البعير المهزول ، الذي أتعبه السفر ، يقال ضمر يضمر ضمورا ؛ وضمر الفرس من باب دخل وضمر أيضا بالضم فهو ضامر فيهما ، وناقة ضامر وضامرة وتضمير الفرس أيضا أن تعلفه حتى يسمن ، ثم ترده إلى القوت وذلك في أربعين يوما ، ووصف الضامر بقوله :
يَأْتِينَ
باعتبار المعنى لأن ضامر في معنى ضوامر .
مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ
الفج الطريق الواسع ، الجمع فجاج والعميق البعيد ، قال النسفي : قدم الرجال على الركبان إظهارا لفضيلة المشاة انتهى ، وليس بشيء لأن الاستطاعة المفسرة بالزاد والراحلة « 1 » في الحديث الصحيح شرط في فريضة الحج واستدل بذلك بعضهم على أنه لا يجب الحج على راكب البحر ، وهو استدلال ضعيف ، لأن مكة ليست على بحر ، وإنما يتوصل إليها على إحدى هاتين الحالتين بمشي أو ركوب ، فذكر تعالى ما يتوصل به إليها .

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 28 إلى 30 ]

لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ( 28 ) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ( 29 ) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( 30 )
هامش
( 1 ) لفظ الحديث : « قال : ما يوجب الحج ؟ قال : الزاد والراحلة » ، أخرجه الترمذي في الحج باب 3 ، 4 ، وتفسير سورة 3 ، باب 6 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 466 | صديق الحسيني القنوجي البخاري