تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
وذهب جمهور العلماء إلى أن معناها فظن أن لن نضيق عليه كقوله :
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
[ الرعد : 26 ] أي يضيق ، ومنه قوله :
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
[ الطلاق : 7 ] ، يقال يقدر وقدر وقتر وقتر أي ضيق ، وقيل هو من القدر الذي هو القضاء والحكم دون القدرة والاستطاعة أي فظن لن نقضي عليه العقوبة ، قاله قتادة ومجاهد ، واختاره الفراء والزجاج . قال ثعلب : هو من القدير ليس من القدرة يقال منه قدر اللّه لك الخير يقدره قدرا ؛ ويؤيده قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري ، نقدّر بضم النون وتشديد الدال من التقدير ، وحكي هذا عن ابن عباس ، ويؤيده قراءة قتادة والأعرج يقدّر مبنيا للمفعول من التقدير ، وقرىء يقدّر مخففا مبنيا للمفعول . وقد اختلف العلماء في تأويل الحديث الصحيح في قول الرجل الذي لم يعمل خيرا قط لأهله أن يحرقوه إذا مات ؛ ثم قال فو اللّه لئن قدر اللّه عليّ « 1 » ، الحديث كما اختلفوا في تأويل هذه الآية والكلام في هذا يطول ، وقد ذكرنا ههنا ما لا يحتاج معه الناظر إلى غيره .
فَنادى فِي الظُّلُماتِ
الفاء فصيحة أي كان ما كان من التقام الحوت له فنادى ، والمراد بالظلمات ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت ، قاله ابن مسعود . وكان نداؤه هو قوله :
أَنْ
أي بأن
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ
يعني تنزيها من أن يعجزك شيء
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
الذين يظلمون أنفسهم ، وأول هذا الدعاء تهليل وأوسطه تسبيح وآخره إقرار بالذنب . وقال الحسن وقتادة : هذا القول من يونس اعتراف بذنبه وتوبة من خطيئته قال ذلك وهو في بطن الحوت ، قيل مكث فيه أربعين يوما وليلة ، وقيل سبعة وقيل ثلاثة كما في الخازن ، وفي البيضاوي أربع ساعات . ثم أخبر اللّه سبحانه بأنه استجاب له فقال :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
دعاءه الذي دعانا به في ضمن اعترافه بالذنب على ألطف وجه
وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ
أي غم الذلة والوحشة والوحدة بإخراجنا له من بطن الحوت حتى قذفه إلى الساحل
وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم ، وما أعددناه لهم من الرحمة إذا دعونا واستغاثوا بنا وهذا هو معنى الآية الأخري وهي قوله :
فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
[ الصافات : 143 ، 144 ] قرىء ننجي
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 54 ، والتوحيد باب 35 ، ومسلم في التوبة حديث 24 ، 25 ، والنسائي في الجنائز باب 117 ، وابن ماجة في الزهد باب 30 ، ومالك في الجنائز حديث 51 ، وأحمد في المسند 2 / 269 .