قرية كانوا ظالمين ، أي كافرين باللّه مكذبين بآياته ، والظلم في الأصل وضع الشيء في غير موضعه ، وهم وضعوا الكفر في موضع الإيمان .
قال ابن عباس : بعث اللّه نبيا من حمير يقال له شعيب ، فوثب إليه عبد فضربه بعصا ، فسار إليهم بختنصر فقاتلهم فقتلهم حتى لم يبق منهم شيء ، وفيهم أنزل اللّه :
وَكَمْ قَصَمْنا
- إلى قوله
خامِدِينَ
.
وعن الكلبي في الآية قال : هي « حضور » بني أزد باليمن ، فيكون التكثير باعتبار أفراد تلك القرية .
وَأَنْشَأْنا بَعْدَها
أي أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاك أهلها
قَوْماً آخَرِينَ
ليسوا منهم
فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا
أي أدركوا وشعروا ورأوا عذابنا بحاسة البصر وقال الأخفش : خافوا وتوقعوا . والبأس العذاب الشديد .
إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ
أي يسرعون هاربين ويهربون مسرعين من قريتهم لما رأوا مقدمة العذاب ، أو من بأسنا لأنه في معنى النقمة والبأساء ، فأنث الضمير حملا على المعنى ، ومن على الأول لابتداء الغاية وللتعليل على الثاني ، والركض الفرار والهرب والانهزام ، وأصله من ركض الرجل الدابة برجليه ، يقال ركض الفرس إذا كدّه بساقيه ، ثم كثر حتى قيل : ركض الفرس إذا عدا ، ومنه
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ
[ ص : 42 ] والمعنى أنهم يهربون منها راكضين دوابهم ، فقيل لهم .
لا تَرْكُضُوا
أي لا تهربوا ، قيل إن الملائكة نادتهم بذلك عند فرارهم وقيل :
إن القائل لهم ذلك من هنالك من المؤمنين استهزاء بهم وسخرية منهم
وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ
يعني ما تنعمتم
فِيهِ
من الدنيا ولين العيش ، يعني إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم وكفركم ، والمترف المنعم ، يقال أترف فلان أي وسع عليه في معاشه ، وقل فيه همه .
وقال سعيد بن جبير : ارجعوا إلى دوركم وأموالكم
وَمَساكِنِكُمْ
التي تسكنونها وتفتخرون بها
لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ
أي تقصدون للسؤال والتشاور والتدبير في المهمات ، وهذا على طريقة التهكم بهم والتوبيخ لهم .
وقيل : المعنى لعلكم تسألون عما نزل بكم وجرى عليكم من العقوبة فتخبرون السائل عن علم ومشاهدة . وقيل : لعلكم تسألون أن تؤمنوا كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول العذاب بكم ، أو تسألون شيئا من دنياكم على العادة فتعطون من شئتم وتمنعون من شئتم ، فإنكم أهل نعمة وثروة ؛ وهذا كله توبيخ وتهكم بهم وقيل غير ذلك .
قال المفسرون وأهل الأخبار : إن المراد بهذه الآية أهل حضور من اليمن وكان أهلها عربا ، وكان اللّه سبحانه قد بعث إليهم نبيا اسمه شعيب بن مهدم . وقبره بجبل من