تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
عن هذا وقالوا :
بَلْ هُوَ شاعِرٌ
وما أتى به من جنس الشعر ، أي كلام يخيل للسامع معاني لا حقيقة لها ويرغبه فيها ، هذا هو المراد بالشعر هنا ، وفي هذا الإضراب منهم والتلون والتردد أعظم دليل على أنهم جاهلون بحقيقة ما جاء به لا يدرون ما هو ولا يعرفون كنهه ، أو كانوا قد علموا أنه حق وأنه من عند اللّه ، ولكن أرادوا أن يدفعوه بالصدر ويرموه بكل حجر ومدر ، وهذا شأن من غلبته الحجة وقهره البرهان . ثم بعد هذا كله قالوا :
فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ
وهذا جواب شرط محذوف ، أي إن لم يكن كما قلنا بل كان رسولا من عند اللّه فليأتنا بآية إتيانا كائنا
كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
أي مثل ما أرسل موسى بالعصا وغيرها ، وصالح بالناقة ، وكان سؤالهم هذا سؤال تعنت ، لأن اللّه سبحانه قد أعطاهم من الآيات ما يكفي ، ولو علم اللّه سبحانه أنهم يؤمنون إذا أعطاهم ما يقترحونه لأعطاهم ذلك كما قال :
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
[ الأنفال : 23 ] . قال الزجاج : اقترحوا الآيات التي لا يقع معها إمهال فقال اللّه مجيبا لهم :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 6 إلى 10 ]

ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ ( 6 ) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 7 ) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ ( 8 ) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ( 9 ) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 10 )
ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ
أي قبل مشركي مكة
مِنْ
أهل
قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها
أي أهلكنا أهلها بتكذيبهم ، أو أهلكناها بإهلاك أهلها ، وفيه بيان أن سنة اللّه في الأمم السالفة أن المقترحين إذا أعطوا ما اقترحوه ، ثم لم يؤمنوا نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة ومن مزيدة للتوكيد ، والمعنى ما آمنت قرية من القرى التي أهلكناها بسبب اقتراحهم قبل هؤلاء ؛ فكيف نعطيهم ما اقترحوا وهم أسوة من قبلهم .
أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ
الهمزة للتقريع والتوبيخ ، والمعنى إن لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوا فكيف يؤمن هؤلاء لو أعطوا ما اقترحوا قال قتادة : قال أهل مكة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إذا كان ما تقوله حقا ويسرك أن نؤمن فحوّل لنا الصفا ذهبا ، فأتاه جبريل فقال : إن شئت كان الذي سألك قومك ولكنه إن كان ثمّ لم يؤمنوا لم ينظروا ، وإن شئت استأنيت بقومك قال : « بل أستأني بقومي » ، فأنزل اللّه
ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ
الآية . ثم أجاب اللّه سبحانه عن قولهم :
هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
بقوله :
وَما أَرْسَلْنا
أي لم نرسل
قَبْلَكَ
إلى الأمم السالفة
إِلَّا رِجالًا
من البشر مخصوصين من أفراد جنسك متأهلين للاصطفاء والإرسال ، ولم نرسل إليهم ملائكة ، كما قال