تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ
قيل هي العصا واليد . وقيل إن فرعون قال لهما وما هي ؟ فأدخل موسى يده في جيب قميصه ثم أخرجها ولها شعاع كشعاع الشمس ، فعجب فرعون من ذلك ، ولم يره موسى العصا إلا يوم الزينة . قال الزمخشري : وهذه الجملة جارية من الجملة الأولى مجرى البيان والتفسير ، لأن دعوى الرسالة لا تثبت إلا ببينتها التي هي مجيء الآية ، وإنما وحد بآية ولم يثن معه آيتان لأن المراد تثبيت الدعوى ببرهانها ، فكأنه قيل قد جئناك بمعجزة وبرهان وحجة على ما ادعيناه من الرسالة .
وَالسَّلامُ
أي السلامة من العذاب
عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
قال الزجاج : أي من اتبع الهدى سلم من سخط اللّه عز وجل ومن عذابه وليس بتحية . قال : والدليل على ذلك أنه ليس بابتداء لقاء ولا خطاب ، قال الفراء : السلام على من اتبع ولمن اتبع سواء . والجملة السادسة قوله :
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا
من جهة اللّه سبحانه
أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ
ما جئنا به
وَتَوَلَّى
أعرض عنه ، والمراد بالعذاب الهلاك والدمار في الدنيا والخلود في النار ، والمراد بالتكذيب التكذيب بآيات اللّه وبرسله والتولي الإعراض عن قبولها والإيمان بها ، قال قتادة : كذب كتاب اللّه وتولى عن طاعته فأتياه وقالا جميع ما ذكر وسارعا إلى الامتثال من غير تلعثم .
قالَ
فرعون لهما
فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى
فأضاف الرب إليهما لما أن المرسل لا بد أن يكون ربا للرسول أو لأنهما قد صرحا بربوبيته تعالى للكل ، ولم يضفه إلى نفسه لعدم تصديقه لهما ولجحده للربوبية وغاية عتوه ونهاية طغيانه ، وخص موسى بالنداء لكونه الأصل في الرسالة . وقيل لمطابقة رؤوس الآي والأول أولى .
قالَ
موسى مجيبا له :
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
الذي هو عليه متميز به عن غيره ؛ قرىء بفتح اللام على أنه فعل وبسكون اللام ، والمعنى أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق بالمنفعة المنوطة به المطابقة له كاليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للنظر والأذن للسمع ، كذا قال الضحاك وغيره . قال الحسن وقتادة : أعطى كل شيء صلاحه وهداه لما يصلحه . وقال مجاهد : المعنى لم يخلق خلق الإنسان في خلق البهائم ، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان ، ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا . ومنه قول الشاعر :
وله في كل شيء خلقه * وكذلك اللّه ما شاء فعل
وقال الفراء : المعنى خلق للرجل المرأة ولكل ذكر ما يوافقه من الإناث أو المعنى أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به ، ومعنى
ثُمَّ هَدى
أنه سبحانه هداهم إلى طريق الانتفاع بما أعطاهم فانتفعوا بكل شيء فيما خلق له ، أو المعنى أعطى كل شيء خلقه اللّه سبحانه ولم يخله من عطائه .