تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
فِي ذِكْرِي
قال الفراء هذا وعن ذكري سواء ، والمعنى لا تقتصرا عن ذكري بالإحسان إليكما والإنعام عليكما ، ومن ذكر النعمة شكرها ، وقيل المعنى لا تبطئا في تبليغ رسالتي ، وفي قراءة ابن مسعود لا تهنا في ذكري .
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ
هذا أمر لهما جميعا بالذهاب وموسى حاضر وهارون غائب بل كان في ذلك الوقت بمصر تغليبا لموسى ، لأنه الأصل في أداء الرسالة وكذا الحال في صيغة النهي المذكورة وعلل الأمر بالذهاب بقوله :
إِنَّهُ طَغى
أي جاوز الحد في الكفر والتمرد ، بادعائه الربوبية ، وخص موسى وحده بالأمر بالذهاب فيما تقدم وجمعهما هنا تشريفا لموسى بإفراده ، وقيل الأول أمر لموسى بالذهاب إلى كل الناس ، والثاني أمر لهما بالذهاب إلى فرعون .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 44 إلى 52 ]

فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ( 44 ) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى ( 45 ) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( 46 ) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ( 47 ) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 48 ) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ( 49 ) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ( 50 ) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ( 51 ) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ( 52 ) ثم أمرهما سبحانه بالإنة للقول لما في ذلك من التأثير في الإجابة فإن التخشين بادىء بدء يكون من أعظم أسباب النفور والتصلب في الكفر فقال :
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً
أي دارياه وارفقا به ، ولا تعنفا في قولكما في رجوعه عن ذلك ؛ والقول اللين هو الذي لا خشونة فيه ؛ يقال لان الشيء يلين لينا ، والمراد تركهما للتعنيف كقولهما :
هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى
[ النازعات : 18 ، 19 ] فإنه دعوة في صورة عرض ومشاورة ، وقيل : القول اللين هو الكنية له أي : قولا له : يا أبا الوليد ، وقيل يا أبا العباس ، وقيل يا أبا مرة ، وقيل أن يعداه بنعيم الدنيا والآخرة إن أجاب ، وقيل أن يعداه بشباب لا يهرم بعده وملك لا يزول إلا بالموت . قاله البيضاوي . ثم علل الأمر بالإنة للقول له بقوله :
لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
أي باشرا ذلك مباشرة من يرجو ويطمع فالرجاء راجع إليهما كما قاله جماعة من النحويين سيبويه وغيره ، وقد تقدم تحقيقه في غير موضع . قال الزجاج : لعل لفظة طمع وترج فخاطبهم بما يعقلون ، وقيل لعل هنا بمعنى الاستفهام ، والمعنى فانظر هل يتذكر أو يخشى ، وقيل بمعنى كي ، والتذكر النظر فيما بلغاه من الذكر وإمعان الفكر فيه حتى يكون ذلك سببا في الإجابة والخشية هي خشية
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 342 | صديق الحسيني القنوجي البخاري