تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى
كلام مستأنف لتقوية قلب موسى بتذكيره نعم اللّه عليه ، والمن الإحسان والإفضال ، والمعنى لقد أحسنا إليك قبل هذه المرة وهي حفظ اللّه سبحانه له من شر الأعداء كما بينه سبحانه هنا ، وأخرى تأنيث آخر بمعنى غير ، وحاصل ما ذكره من المنن عليه من غير سؤال ثمانية .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 38 إلى 43 ]

إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى ( 38 ) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ( 39 ) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى ( 40 ) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ( 41 ) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي ( 42 ) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 43 ) الأولى : قوله :
إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى
إلى قوله :
عَدُوٌّ لَهُ
أي مننا ذلك الوقت وقت الإيحاء ، والمراد به إما مجرد الإلهام لأمه واسمها يوحانذ ، قاله السيوطي في شرح النقابة ؛ أو في النوم بأن أراها ذلك ، أو على لسان نبي أو على لسان ملك لا على طريق النبوة ، كالوحي إلى مريم ، أو بإخبار الأنبياء المتقدمين بذلك وانتهى الخبر إليها ؛ والمراد بما يوحى ما سيأتي من الأمر لها أبهمه أولا وفسره ثانيا تفخيما لشأنه بقوله :
أَنِ
مفسرة لأن الوحي فيه معنى القول ، أو بأن
اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ
القذف هنا الطرح ، أي اطرحيه في البحر ، واليم البحر والنهر الكبير . قال الفراء : هذا أمر وفيه المجاراة ، أي اقذفيه ، والتابوت الصندوق .
فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ
الأمر للبحر مبني على تنزيله منزلة من يفهم ويميز لما كان إلقاؤه بالساحل أمرا واجب الوقوع ، وهذا أمر معناه الخبر وإنما جيء به بصيغة الأمر مبالغة ، إذ الأمر أقطع الأفعال وآكدها ، والساحل هو شط البحر ، سمي ساحلا لأن الماء سحله قال ابن دريد : والمراد هنا ما يلي الساحل من البحر لا نفس الساحل ، والضمائر كلها لموسى لا للتابوت ، وإن كان قد ألقي معه ، لكن المقصود هو موسى مع كون الضمائر قبل هذا وبعده له قال السدي : اليم هو النيل .
يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ
جواب الأمر بالإلقاء أو القذف ، والمراد بالعدو فرعون ، فإن أم موسى لما ألقته في البحر ، وهو النيل المعروف : وكان يخرج منه نهر إلى دار فرعون ، فساقه اللّه في ذلك النهر إلى داره ؛ فأخذ التابوت فوجد موسى فيه . وقيل إن البحر ألقاه بالساحل فنظره فرعون فأمر من يأخذه . وقيل وجدته ابنة فرعون ، والأول أولى ، والمنة الثانية قوله :