تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
أَمْرِي
ما جدواه ، والكلام منتظم بدونه ؟ قلت قد أبهم الكلام أولا فقال : اشرح لي ويسر لي ، فعلم أن ثم مشروحا وميسرا ، ثم بين ورفع الإبهام بذكرهما فكان آكد لطلب الشرح لصدره والتيسير لأمره ، ويقال يسرت له كذا ومنه هذه الآية وتيسرته لكذا ، ومنه
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى
[ الليل : 7 ] .
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي
يعني العجمة التي كانت فيه من أثر الجمرة التي ألقاها في فيه وهو طفل ، أي أطلق عن لساني العقدة التي فيه ، قيل أذهب اللّه سبحانه تلك العقدة جميعها بدليل قوله :
قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى
وقيل لم تذهب كلها لأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية ، بل سأل حل عقدة تمنع الإفهام بدليل قوله من لساني ، أي كائنة من عقد لساني ، ويؤيد ذلك قوله
هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً
[ القصص : 34 ] ، وقوله حكاية عن فرعون
وَلا يَكادُ يُبِينُ
[ الزخرف : 52 ] . وجواب الأمر قوله :
يَفْقَهُوا قَوْلِي
أي لكي يفهموا كلامي عند تبليغ الرسالة ، والفقه في كلام العرب الفهم ، ثم خص به علم الشريعة ، والعالم به فقيه . قاله الجوهري .
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي
أي معينا وظهيرا ، والوزير الموازر كالأكيل المواكل لأنه يحمل عن السلطان وزره أي ثقله . قال الزجاج : واشتقاقه في اللغة من الوزر وهو الملجأ الذي يعتصم به لينجي من الهلكة ، ومنه قوله تعالى :
كَلَّا لا وَزَرَ
[ القيامة : 11 ] والوزير الذي يعتمد الملك على رأيه في الأمور ونلتجىء إليه . وقال الأصمعي : هو مشتق من الموازرة وهي المعاونة ، نقله الزمخشري عن الأصمعي
هارُونَ أَخِي
وكان أكبر من موسى وأفصح لسانا وأجمل وأوسم ، وكان موسى آدم أقنى جعدا .
اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي
وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي
على صيغة الدعاء أي يا رب أحكم به قوتي واجعله شريكي في أمر الرسالة ، والأزر القوة ، يقال آزره أي قواه ، وقيل الظهر أي اشدد به ظهري ، وقرىء أشدد بهمزة قطع وأشركه بضم الهمزة ، أي أشدد أنا به أزري وأشركه أنا في أمري . قال ابن عباس : نبىء هارون ساعتئذ حين نبىء موسى .
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً
وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً
هذا الذكر والتسبيح هما الغاية من الدعاء المتقدم ، والمراد التسبيح هنا باللسان . وقيل المراد به الصلاة
إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً
هو المبصر والعالم بخفيات الأمور وهو المراد هنا ، أي إنك كنت بنا عالما في صغرنا فأحسنت إلينا فأحسن أيضا كذلك الآن . ثم أخبره اللّه سبحانه بأنه قد أجاب ذلك الدعاء .
قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى
أي أعطيت ما سألته منا عليك ، والسؤل المسؤول ، أي المطلوب ، كقولك خبز بمعنى مخبوز ، ومسؤوله هو قوله رب اشرح لي ؛ وزيادة قوله يا موسى لتشريفه بالخطاب مع رعاية الفواصل .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 337 | صديق الحسيني القنوجي البخاري