تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
قال كعب : أما أنا فإني أجد في التوراة تغرب الشمس في ماء وطين ، وأشار بيده إلى المغرب وأنشد ابن أبي حاصر :
فرأى مغيب الشمس عند غروبها * في عين ذي حلب وثأط حرمد « 1 »
فقال ابن عباس : ما الخلب ؟ قال الطين بكلامهم ، قال فما الثأط ؟ قال الحمئة ، قال فما الحرمد ؟ قال الأسود ، فدعا ابن عباس غلاما فقال اكتب ما يقول هذا الرجل . قيل ولعل ذا القرنين لما بلغ ساحل البحر المحيط رآها كذلك في نظره إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء . ولذلك قال :
وَجَدَها تَغْرُبُ
ولم يقل كانت تغرب ، قاله البيضاوي ، يعني على العادة من أن الشخص إذا كان في البحر يرى الشمس كأنها تغرب فيه ، قيل وتسمية البحر المحيط عينا لا محذور فيه ، خصوصا وهو بالنسبة إلى ما هو أعظم منه في علم اللّه . وفي القرطبي قال بعض العلماء : ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربا ومشرقا حتى وصل إلى جرمها ومسها لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلصق بالأرض ، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض لأنها أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة ، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهتي المغرب والمشرق فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة ، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض ؛ ولهذا قال
وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً
[ الكهف : 90 ] ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم ، بل أراد أنهم أول من تطلع عليه . وقال القتيبي : ويجوز أن تكون هذه العين من البحر وتكون الشمس تغيب وراءها أو عندها أو معها فيقام حرف الصفة مقام صاحبه واللّه أعلم . ا ه . أقول ولا يبعد أن يقال لا مانع من أن يمكنه اللّه من عبور البحر حتى يصل إلى تلك العين التي تغرب فيها الشمس ، وما المانع من هذا بعد أن حكى اللّه عنه أنه بلغ مشرق الشمس ومكن له في الأرض والبحر من جملتها ، ومجرد الاستبعاد لا يوجب حمل القرآن على خلاف ظاهره .
هامش
( 1 ) يروى صدر البيت :فرأى مغيب الشمس عند مسائهاوالبيت من الكامل ، وهو لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص 26 ، ولسان العرب ( حرمد ) ، ( ثأط ) ، ومقاييس اللغة 1 / 154 ، وتهذيب اللغة 7 / 418 ، وتاج العروس ( أوب ) ، ( حرمد ) ، ( ثأط ) ، ولتبّع في تاج العروس ( خلب ) ، ولسان العرب ( أوب ) ، ( خلب ) ، ( حرمد ) ، وكتاب العين 4 / 270 ، 8 / 417 ، وتهذيب اللغة 5 / 330 ، 14 / 5 ، 15 / 607 ، وبلا نسبة في مقاييس اللغة 1 / 398 ، وجمهرة اللغة ص 1140 .