ثم شرع سبحانه في بيان ما أمر به رسوله أن يقوله لهم من أنه سيتلو عليهم منه ذكرا فقال :
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ
أي أقدرناه بما مهدنا له من الأسباب فجعلنا له مكنة وقدرة على التصرف فيها وسهل عليه المسير في مواضعها وذلّل له طرقها حتى تمكن منها أين شاء وكيف شاء ، ومن جملة تمكينه فيها أن جعل اللّه الليل والنهار عليه سواء في الإضاءة
وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
مما يتعلق بمطلوبه أو مما يحتاج إليه الخلق
سَبَباً
أي طريقا يتوصل بها إلى ما يريده كآلات السير وكثرة الجند واستقصاء بقاع الأرض والوصول إلى عين الحياة ، وقال ابن عباس :
سببا أي علما وقال أيضا : بلاغا إلى حيث أراد .
قال المفسرون : والمعنى طريقا تؤديه إلى مغرب الشمس قاله الزجاج : وقيل من كل شيء يستعين به الملوك من فتح المدائن وقهر الأعداء وأصل السبب الحبل فاستعير لكل ما يتوصل به إلى شيء .
فَأَتْبَعَ سَبَباً
سلك طريقا نحو المغرب ، قال الأخفش : تبعته وأتبعته بمعنى مثل ردفته وأردفته ومنه قوله تعالى :
فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ
[ الحجر : 18 ] وحكى الأصمعي أنه يقال تبعته واتبعته إذا سار ولم يلحقه واتبعه إذا لحقه .
قال أبو عبيدة : ومثله
فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
[ الشعراء : 60 ] قال النحاس وهذا من الفرق وإن كان الأصمعي قد حكاه فلا يقبل إلا بعلم أو دليل ، وقوله عز وجل
فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
[ الشعراء : 60 ] ليس في الحديث أنهم لحقوهم ، وإنما في الحديث لما خرج موسى وأصحابه من البحر وحصل فرعون وأصحابه في البحر انطبق عليهم البحر .
والحق في هذا أن تبع واتبع وأتبع لغات ، بمعنى واحد وهو بمعنى السير
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ
أي نهاية الأرض من جهة المغرب وآخر العمارة منها لأن من وراء هذه النهاية البحر المحيط وهو لا يمكن المضي فيه فلما لم يبق قدامه شط بل مياه لا آخر لها
وَجَدَها
أي رأى الشمس
تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
أي كثيرة الحمأة وهي الطينة السوداء يقال حمأت البئر حمأ بالتسكين إذا نزعت حمأتها وحمأت البئر حمأ بالتحريك كثرت حمأتها وقرىء حامية من الحمأة أي حارة وقد يجمع بين القراءتين فيقال كانت حارة وذات حمئة .