تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
أي عن اجتهادي ورأيي وهو تأكيد لما قبله فقد علم بقوله :
فَأَرادَ رَبُّكَ
أنه لم يفعله الخضر عن أمر نفسه لأن تنقيص أموال الناس وإراقة دمائهم وتغيير أحوالهم لا يكون إلا بالنص ، وليس في هذا دلالة على نبوة الخضر كما زعم الجمهور بل هو إلهام من اللّه سبحانه إليه .
ذلِكَ
المذكور من تلك البيانات التي بينتها لك وأوضحت وجوهها
تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً
أي ما ضاق صبرك عنه ولم تطق السكوت عليه . ومعنى التأويل هنا هو المآل الذي آلت إليه تلك الأمور ، وهو اتضاح ما كان مشتبها على موسى وظهور وجهه ، وحذف التاء من تسطع تخفيفا ، يقال اسطاع واستطاع بمعنى أطاق ، ففي هذا وما قبله جمع بين اللغتين . وقد اختلف أهل العلم في نسب الخضر وفي كونه نبيا وفي طول عمره وبقاء حياته وكونه باقيا إلى زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وحياته بعده على أقوال كثيرة ، فقيل هو ابن آدم لصلبه وهو ضعيف منقطع . وقيل إنه ابن قابيل بن آدم وهو معضل ؛ وقيل إنه من سبط هارون أخي موسى وهو بعيد . وقيل إنه أرميا بن خلقيا ورده ابن جرير وقيل إنه ابن بنت فرعون ، وقيل ابن فرعون لصلبه ، وقيل إنه اليسع ، وقيل إنه من ولد فارس . وقيل من ولد بعض من كان آمن بإبراهيم وهاجر معه من أرض بابل ، وقيل كان أبوه فارسيا وأمه رومية ، وقيل بعكس ذلك . ثم قيل كان اسمه عامرا ؛ وقيل بليا بن ملكان ، وقيل كلمان بدل ملكان ، وقيل معمر بن مالك وكنيته أبو العباس ، وهذا متفق عليه . قاله النووي . واحتج من قال إنه نبي بقوله تعالى :
وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
لأن الظاهر من هذا أنه فعله بأمر اللّه والأصل عدم الواسطة . قال الثعلبي : هو نبي في سائر الأقوال ، ثم قيل نبي غير مرسل ، وقيل أرسل إلى قومه فاستجابوا له ونصره الرماني ثم ابن الجوزي ، وقيل كان وليا وإليه ذهب جماعة من الصوفية ، وبه قال علي بن أبي موسى من الحنابلة وابن الأنباري والقشيري ، وقيل إنه ملك من الملائكة . قال ابن جرير في تاريخه : إنه كان في أيام فريدون الملك في قول عامة أهل الكتاب الأولى ، وقيل كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان في زمن إبراهيم الخليل ، وقصته هذه ذكرها جماعة منهم خيثمة بن سليمان . وأما تعميره فقال ابن عباس : نسىء للخضر في أجله حتى يكذب الدجال ، وقال أبو محنف : أجمع أهل العلم بالأحاديث والجمع لها أنه أطول آدمي عمرا وشرب من عين الحياة ، وقال الحسن : وكل الخضر بالبحور وإلياس بالفيافي ، وأنهما يجتمعان