تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
أقدام أقوام من الضلال في هذا المقام في تفضيل الولي على النبي حيث قالوا ؛ أمر موسى بالتعلم من الخضر وهو ولي وهو كفر جلي والجواب ما ذكرناه .
قالَ
الخضر لموسى
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
أي لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي لأن الظواهر التي هي علمك لا توافق ذلك ثم أكد ذلك مشيرا إلى علة عدم الاستطاعة فقال :
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً
أي كيف تصبر على علم ظاهره منكر وأنت لا تعلم ، ومثلك مع كونك صاحب شرع لا يسوغ له السكوت على منكر والاقرار عليه ، والخبر العلم بالشيء والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها وما يحتاج إلى الاختبار منها .

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 69 إلى 74 ]

قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ( 69 ) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ( 70 ) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ( 71 ) قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 72 ) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ( 73 ) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ( 74 )
قالَ
موسى للخضر
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً
معك ملتزما طاعتك ، وإنما استثنى لأنه لم يثق من نفسه بالصبر ولم يستثن الخضر لأنه في مقام التعليم
وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً
أي لا أخالفك فيما تأمرني به ، والتقييد بقوله إن شاء اللّه شامل للصبر ونفي المعصية ، وقيل إن التقييد بالمشيئة مختص بالصبر لأنه أمر مستقبل لا يدري كيف يكون حاله فيه ونفي المعصية معزوم عليه في الحال ويجاب عنه بأن الصبر ونفي المعصية متفقان في كون كل واحد منهما معزوما عليه في الحال وفي كون كل واحد منهما لا يدري كيف حاله فيه في المستقبل .
قالَ
الخضر لموسى
فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ
مما تشاهد من أفعالي المخالفة لما يقتضيه ظاهر الشرع الذي بعثك اللّه به أي لا تفاتحني بالسؤال عن حكمته فضلا عن المناقشة والاعتراض
حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً
أي حتى أكون أنا المبتدىء لك بذكره وبيان وجهه وما يؤول إليه وفيه إيذان بأن كل ما صدر عنه فله حكمة وغاية حميدة البتة وهذا من أدب المتعلم مع العالم والتابع مع المتبوع وهذه الجمل المعنونة بقال وقال مستأنفات لأنها جوابات عن سؤالات مقدرة كل واحدة ينشأ السؤال عنها مما قبلها . واعلم أنه قد رويت في قصة موسى مع الخضر المذكورة في كتاب العزيز أحاديث كثيرة وأتمها وأكملها ما روي عن ابن عباس ولكنها اختلفت في بعض الألفاظ