سبيل إليه ، والغور والغائر ، وصف الماء بالمصدر مبالغة والمعنى أنها تصير عادمة للماء بعد أن كانت واجدة له وكان خلالها ذلك النهر يسقيها دائما ، ويجيء الغور بمعنى الغروب ، والعطف على يرسل دون تصبح لأن غور الماء لا يتسبب عن الصواعق والمرامي قال أبو حيان إلا إن عنى بالحسبان القضاء الإلهي فحينئذ يتسبب عنه إصباح الجنة صعيدا زلقا أو إصباح مائها غورا .
فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً
أي لن تستطيع لطلب الماء الغائر فضلا عن وجوده ورده ولا تقدر عليه بحيلة من الحيل تدركه بها ، وقيل المعنى فلن تستطيع طلب غيره عوضا عنه .
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 42 إلى 45 ]
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ( 42 ) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً ( 43 ) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً ( 44 ) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 )
ثم أخبر سبحانه عن وقوع ما رجاه ذلك المؤمن وتوقعه من إهلاك جنة الكافر فقال :
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ
أي أمواله كالنقد والمواشي وهذا راجع لقوله :
وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ
وأصل الإحاطة من إحاطة العدو بالشخص كما تقدم في قوله :
إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ
[ يوسف : 66 ] وهي عبارة عن إهلاكه وإفنائه وهو معطوف على مقدر كأنه قيل فوقع ما توقعه المؤمن فهلكت جنته بالصواعق وغور الماء وأحيط بثمره أي أحاط العذاب والهلاك بثمره .
فَأَصْبَحَ
أي صار صاحبها الكافر
يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ
أي يضرب إحدى يديه على الأخرى ويصفق بكف على كف وهو كناية عن الندم والتحسر كأنه قيل فأصبح يتندم
عَلى ما أَنْفَقَ فِيها
أي في عمارتها واصلاحها من الأموال ، وقيل المعنى يقلب ملكه فلا يرى فيه عوض ما أنفق لأن الملك قد يعبر عنه باليد من قولهم في يده مال ، وهو بعيد جدا ، قال قتادة : يصفق على ما أنفق فيها متلهفا على ما فاته .
وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
أي والحال أن تلك الجنة ساقطة على دعائمها التي تعمد بها الكروم أو ساقط بعض تلك الجنة على بعض مأخوذ من خوت النجوم تخوي إذا سقطت ولم تمطر في نوئها ومنه قوله تعالى :
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا
[ النمل : 52 ] قيل وتخصيص ماله عروش بالذكر دون النخل والزرع لأنه الأصل وأيضا ذكر إهلاكها مغن عن ذكر إهلاك الباقي . والعرش شبه بيت من جريد يجعل فوقه الثمام « 1 » ، الجمع عروش والعريش مثله وجمعه عرش بضمتين كبريد وبرد ، وعريش
هامش
( 1 ) الثمام : عشب من الفصيلة النجيلية يصل طوله إلى مائة وخمسين سنتمترا .