تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
قال أبو علي الفارسي : قوله رابعهم كلبهم وسادسهم كلبهم جملتان استغني عن حرف العطف فيهما بما تضمنتا من ذكر الجملة الأولى وهي قوله ثلاثة والتقدير هم ثلاثة . هكذا حكاه الواحدي .
رَجْماً بِالْغَيْبِ
أي راجمين أو يرجمون رجما والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير يقين ودليل ولا برهان كما قاله الطيبي وغيره والموصوفون بالرجم بالغيب هم كلا الفريقين القائلون بأنهم ثلاثة والقائلون بأنهم خمسة ، قال قتادة : رجما قذفا بالظن ، ولم يقل هذا في السبعة وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه ، والرجم بمعنى الرمي وهو استعارة للتكلم بما لم يطلع عليه لخفائه عنه تشبيها له بالرمي بالحجارة التي لا تصيب غرضا والباء فيه للتعدية على تشبيه الظن بالحجر المرمي على طريق الكناية .
وَيَقُولُونَ
أي المؤمنون يعني قالوه بإخبار الرسول لهم عن جبريل عليه السلام
سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ
وكان قول هذه الفرقة أقرب إلى الصواب بدليل عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب ، قيل وإظهار الواو في هذه الجملة يدل على أنها مرادة في الجملتين الأوليين ، وعلى رأي الأخفش والكوفيين الواو زائدة لأن وجودها في الكلام كالعدم في عدم إفادة أصل معناها . قاله الكرخي . وقيل زائدة لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت ، وهذا ما جنح إليه الزمخشري وصرح به البيضاوي واختاره ابن هشام ، وقيل إنها واو العطف كأنه قيل هم سبعة وثامنهم كلبهم ، وقيل واو الحال فيؤول المعنى إلى أنهم يقولون ذلك مع هذا الحال وهو كون ثامنهم كلبهم واقعا لا محالة ويلزم منه أن يكونوا سبعة . قال ابن هشام : وقول جماعة الأدباء كالحريري ومن النحويين كابن خالويه ومن المفسرين كالثعلبي أنها واو الثمانية لا يرضاه نحوي لأنه لا يتعلق به حكم إعرابي ولا سر معنوي . قال الكرخي : هي في التحقيق واو العطف ، لكن لما اختص استعمالها بمحل مخصوص تضمنت أمرا غريبا واعتبارا لطيفا ناسب أن تسمى باسم غير جنسها فسميت بواو الثمانية لمناسبة بينها وبين سبعة ، وذلك لأن السبعة عندهم عقد تام كعقود العشرات لاشتمالها على أكثر مراتب أصول الأعداد ، والثمانية عقد مستأنف فكان بينهما اتصال من وجه وانفصال من وجه ، وهذا هو المقتضي للعطف . وهذا المعنى ليس موجودا بين السبعة والستة . انتهى ملخصا من الكرخي . ثم أمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخبر المختلفين في عددهم بما يقطع التنازع بينهم فقال :
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ
أي أقوى علما وأزيد في الكيفية
بِعِدَّتِهِمْ
منكم أيها المختلفون ؛ فإن مراتب اليقين متفاوتة في القوة ، وهذا هو الحق لأن العلم بتفاصيل العالم والكائنات فيه في