تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
الأول : أنهم مع كونهم في مكان منفتح انفتاحا واسعا في ظل جميع نهارهم لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا في غروبها لأن اللّه سبحانه حجبها عنهم كرامة . والثاني : أن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب الشمال مستقبلا لبنات النعش في أرض الروم ، فإذا طلعت الشمس كانت عن يمين الكهف وإذا غربت كانت عن يساره ولا تقع عليهم عند الطلوع ولا عند الغروب ولا عند الاستواء فتؤذيهم بحرّها وتغير ألوانهم وتبلي ثيابهم ، ولكن اختار اللّه لهم مضجعا في متسع ينالهم فيه برد الريح ونسيمها ويدفع عنهم كرب الغار وغمه . ويؤيد القول الأول قوله :
ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ
فإن صرف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب بمعنى كونها آية . ويؤيده أيضا إطلاق الفجوة وعدم تقييدها بكونها إلى جهة كذا ؛ وعلى الثاني يكون المعنى إن شأنهم وحديثهم من آيات اللّه والأول أولى . وقد قيل إنه كان لكهفهم حاجب من جهة الجنوب وحاجب من جهة الدبور وهم في زاويته . وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من اللّه تعالى من دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك . وعلى الجملة فالآية في ذلك أن اللّه تعالى أواهم إلى كهف هذه صفته لا إلى كهف آخر يتأذون فيه بانبساط الشمس عليهم في معظم النهار ، وعلى هذا فيمكن أن يكون صرف الشمس عنهم بإظلال غمام أو سبب آخر . والمقصود بيان حفظهم من تطرق البلاء وتغير الأبدان والألوان إليهم والتأذي بحرّ أو برد . ثم أثنى سبحانه عليهم بقوله :
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ
إلى الحق مثل أصحاب الكهف
فَهُوَ الْمُهْتَدِ
الذي ظفر بالهدى وأصاب الرشد والفلاح
وَمَنْ يُضْلِلْ
أي يضلله اللّه ولم يرشده كدقيانوس وأصحابه
فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً
أي ناصرا يهديه إلى الحق .

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 18 إلى 20 ]

وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ( 18 ) وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ( 19 ) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ( 20 ) ثم حكى سبحانه طرفا آخر من غرائب أحوالهم فقال :
وَتَحْسَبُهُمْ
خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل أحد
أَيْقاظاً
جمع يقظ بكسر القاف وفتحها
وَهُمْ رُقُودٌ
أي نيام