تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
ثم نبّه سبحانه على قبح بعض ما جبل عليه الإنسان من الطبائع المذمومة فقال :
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى
جنس
الْإِنْسانِ
بالنعم التي توجب الشكر كالصحة والسعة والغنى والفراغ
أَعْرَضَ
عن الشكر للّه والذكر له
وَنَأى بِجانِبِهِ
أي ثنى عطفه متبخترا والنأي البعد والباء للتعدية أو للمصاحبة وهو تأكيد للإعراض لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه أي ناحية والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره . ولا يبعد أن يراد بالإعراض هنا الإعراض عن الدعاء والابتهال الذي كان يفعله عند نزول البلوى والمحنة به ويراد بالنأي بجانبه التكبر والبعد بنفسه عن القيام بحقوق النعم وقرىء ناء مثل باع على القلب قال مجاهد نأى تباعد .
وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ
من شدة أو مرض أو فقر أو نازلة من النوازل
كانَ يَؤُساً
شديد اليأس قنوطا من رحمة اللّه ، هذا وصف للجنس باعتبار بعض أفراده ممن هو على هذه الصفة ، والمعنى أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي وظفر بالمقصود نسي المعبود ، وإن فاته شيء من ذلك وتأخرت الإجابة استولى عليه الأسف وغلب عليه القنوط ويئس وكلتا الخصلتين قبيحة مذمومة . ولا ينافي ما في هذه الآية قوله تعالى :
وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ
[ فصلت : 51 ] ونظائره فإن ذلك شأن بعض آخر منهم غير البعض المذكور في هذه الآية ، ولا يبعد أن يقال لا منافاة بين الآيتين فقد يكون مع شدة يأسه وكثرة قنوطه كثير الدعاء بلسانه .
قُلْ كُلٌّ
أي كل أحد
يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
التي جبل عليها قال الفراء : الشاكلة الطريقة وقيل الناحية قاله ابن عباس ، وقيل الطبيعة وقيل الدين وقيل النية ، قاله الحسن وبه فسرها البخاري في كتاب التفسير ، وقيل الجبلة ، وأحسن ما قيل فيها ما قاله الزمخشري أنها مذهبه الذي يشاكل حاله في الهدى والضلالة من قولهم طريق ذو شواكل ، وهي الطرق التي تشعبت منه وهي مأخوذة من الشكل وهو المثل والنظير : يقال لست على شكلي ولا على شاكلتي . وأما الشكل بالكسر فهو الهيئة يقال جارية حسنة الشكل أو الشاكلة الروح والمعنى أن كل إنسان يعمل على ما يشاكل أخلاقه التي ألفها أو على حسب جوهر نفسه ، فإن كانت نفسه شريفة طاهرة صدرت عنه أفعال جميلة وأخلاق زكية ، وإن كانت نفسه كدرة خبيثة صدرت عنه أفعال خبيثة فاسدة رديئة وهذا ذمّ للكافر ومدح للمؤمن .
فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى
لأنه الخالق لكم العالم بما جبلتم عليه من الطبائع وما تباينتم فيه من الطرائق فهو الذي يميز بين المؤمن الذي لا يعرض عند