تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ
من لابتداء الغاية قاله أبو حيان ويصح أن تكون لبيان الجنس ، قاله الزمخشري وابن عطية وأبو البقاء فإن جميع القرآن شفاء وقدم على المبين للاهتمام وأبو حيان ينكر جوازه لأن التي للبيان لا بدّ أن يتقدمها ما تبينه لا أن تتقدم هي عليه فالمختار هو الأول ، وقيل للتبعيض وأنكره بعض المفسرين لاستلزامه أن بعضه لا شفاء فيه ورده ابن عطية بأن المبعض هو إنزاله . واختلف أهل العلم في معنى كونه شفاء على قولين : الأول : أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وذهاب الريب وكشف الغطاء عن الأمور الدالة على اللّه سبحانه . الثاني : أنه شفاء عن الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ ونحو ذلك والتبرك بقراءته يدفع كثيرا من الادواء والأسقام يدل عليه ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في فاتحة الكتاب : « وما يدريك أنها رقية » « 1 » ، ولا مانع من حمل الشفاء على معنيين من باب عموم المجاز أو من باب حمل المشترك على معنييه .
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
لما فيه من العلوم النافعة المشتملة على ما فيه صلاح الدنيا والدين ، ولما في تلاوته وتدبره من الأجر العظيم الذي يكون سببا لرحمة اللّه سبحانه ومغفرته ورضوانه ، ومثل هذه الآية قوله تعالى :
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
[ فصلت : 44 ] . والحاصل أن القرآن كتاب مشتمل على دلائل المذهب الحق وإبطال المذاهب الفاسدة فهو شفاء لأمراض القلوب وتكفير للذنوب وتفريج للكروب وتطهير للعيوب ، وفي الحديث « من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه اللّه » « 2 » . ثم لما ذكر سبحانه ما في القرآن من المنفعة لعباده المؤمنين ذكر ما فيه لمن عداهم من المضرة عليهم فقال :
وَلا يَزِيدُ
القرآن كله أو كل بعض منه
الظَّالِمِينَ
الذين وضعوا التكذيب موضع التصديق والشك والارتياب موضع اليقين والاطمئنان
إِلَّا خَساراً
أي هلاكا لأن سماع القرآن يغيظهم ويحنقهم ويدعوهم إلى زيادة ارتكاب القبائح تمردا وعنادا ، فعند ذلك يهلكون ، وقيل الخسار النقص كقوله :
فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ
[ التوبة : 125 ] قال قتادة : لم يجالس القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الإجارة باب 16 ، والطب باب 33 ، 39 ، ومسلم في السلام حديث 65 ، 66 ، وأبو داود في البيوع باب 27 ، والطب باب 19 ، والترمذي في الطب باب 20 ، وابن ماجة في الإجارات باب 7 ، وأحمد في المسند 3 / 2 ، 10 ، 44 . ( 2 ) أخرجه بمعناه ابن ماجة في الطب باب 28 ، 41 .