فياللّه العجب حيث تبلغ أقوال أهل الفضول والقانعين بالمعقول من المنقول إلى هذا الحد الذي لم تبلغه ولا بعضه في غير هذه المسألة مما أذن اللّه بالكلام فيه ولم يستأثر بعلمه ، وقد عجزت الأوائل عن إدراك ماهيته بعد انفاق الأعمار الطويلة على الخوض فيه .
والحكمة في ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ليدل على أنه عن ادراك خالقه أعجز ، ولذا رد ما قيل في حده قديما وحديثا .
ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
الخطاب عام لجميع الخلق ومن جملتهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل هو خطاب لليهود خاصة ، والأول أولى ، ويدخل فيه اليهود دخولا أوليا .
والمعنى إن علمكم الذي علمكم اللّه ليس إلا المقدار القليل بالنسبة إلى علم الخالق سبحانه وإن أوتيتم حظا من العلم وافرا ، بل علم الأنبياء عليهم السلام ليس هو بالنسبة إلى علم اللّه سبحانه إلا كما يأخذ الطائر في منقاره من البحر كما في حديث موسى والخضر عليهما السلام .
وعبارة الخازن أن القلة والكثرة تدوران مع الإضافة ، فوصف الشيء بالقلة بالنسبة إلى ما فوقه وبالكثرة إلى ما تحته . ا ه .
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : كنت أمشي مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في خرب المدينة وهو متكئ على عسيب فمر بقوم من اليهود فقال بعضهم لبعض : اسألوه عن الروح ، فقال بعضهم : لا تسألوه ، فقالوا : يا محمد ما الروح ؟
فما زال متكئا على العسيب فظننت أنه يوحى إليه فقال :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
الآية « 1 » .
وأخرج أحمد والترمذي وصححه النسائي وابن المنذر وابن حبان في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال : قالت قريش لليهود : أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل ، قالوا : سلوه عن الروح ، فنزلت هذه الآية « 2 » ، قالوا : أوتينا علما كثيرا وأوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خبرا كثيرا ، فأنزل اللّه :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي
[ الكهف : 109 ] الآية ، وفي الباب أحاديث وآثار .
ولما بيّن سبحانه ما آتاهم من العلم إلا قليلا بيّن إنه لو شاء أن يأخذ منهم هذا القليل
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الاعتصام باب 3 ، 8 ، والعلم باب 47 ، وتفسير سورة 7 - ، باب 12 ، والتوحيد باب 28 ، 29 ، ومسلم في المنافقين حديث 32 .
( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 17 ، باب 11 ، 12 ، وأحمد في المسند 1 / 255 ، 389 ، 410 ، 444 .