تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة وعلى طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بإلهية عيسى ومريم وعزير فأمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقول لهم ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون اللّه . وقيل أراد بالذين زعمتم نفرا من الجن عبدهم ناس من العرب وإنما خصصت الآية بمن ذكرنا لقوله الآتي يبتغون إلى ربهم الوسيلة فإن هذا لا يليق بالجمادات روي معنى ذلك عن ابن مسعود وقال ابن عباس : كان أهل الشرك يعبدون الملائكة والمسيح وعزيرا والشمس والقمر .
فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا
أي لا يستطيعون ذلك والمعبود الحق هو الذي يقدر على كشف الضر وعلى تحويله من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان فوجب القطع بأن هذه التي تزعمونها آلهة ليست بآلهة . ثم إنه سبحانه أكد عدم اقتدارهم ببيان غاية افتقارهم إلى اللّه في جلب المصالح ودفع المضار فقال
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
قرىء بالتحتية على الخبر وقرأ ابن مسعود بالفوقية على الخطاب ولا خلاف في
يَبْتَغُونَ
إنه بالتحتية والمضير في
إِلى رَبِّهِمُ
يعود إلى العابدين أو المعبودين
الْوَسِيلَةَ
هي القربة بالطاعة والعبادة أي يتضرعون إلى اللّه في طلب ما يقربهم إلى ربهم . أخرج الترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « سلوا اللّه لي الوسيلة ، قالوا : وما الوسيلة ؟ قال : القرب من اللّه ثم قرأ هذه الآية » « 1 » .
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
بالوسيلة إلى اللّه قاله الزجاج أي يتقرب إليه بالعمل الصالح أو يبتغي من هو أقرب إليه تعالى الوسيلة فكيف بمن دونه ، وقيل إن يبتغون مضمن معنى يحرصون أي يحرصون أيهم أقرب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة .
وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ
كما يرجوها غيرهم
وَيَخافُونَ عَذابَهُ
كما يخافه غيرهم فكيف يزعمون أنهم آلهة لأن الإله يكون غنيا بالغنى المطلق
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً
تعليل لقوله يخافون أي أن عذابه سبحانه حقيق بأن يحذره العباد من الملائكة والأنبياء وغيرهم . ثم بيّن سبحانه مآل الدنيا وأهلها فقال
وَإِنْ
نافية للاستغراق
مِنْ
أي ما من
قَرْيَةٍ
أي قرية كانت من قرى الكفار
إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها
قال الزجاج : أي ما من أهل قرية إلا سيهلكون إما بموت أو خراب وإما بعذاب يستأصلهم وإنما قال
قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ
لأن إهلاك يوم القيامة ليس بمختص بالقرى الكافرة بل يعم كل قرية لانقضاء عمر الدنيا
أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً
بالقتل وأنواع العقاب إذا كفروا وعصوا .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في المناقب ، باب 1 ، وأحمد في المسند 2 / 265 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 144 | صديق الحسيني القنوجي البخاري