تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 8 إلى 9 ]

وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 8 ) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ( 9 )
وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ
أي الذي يستعجلونه استهزاء ، وهو ما تقدم ذكره في قوله :
عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ
وقيل عذاب يوم القيامة وما بعده ، وقيل عذاب يوم بدر
إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ
أي إلى طائفة من الأيام قليلة لأن ما يحصره العد قليل والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد وأراد بها الوقت المقصود لإيقاع العذاب ، وقيل هي في الأصل الجماعة من الناس ، وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه ، كقولك كنت عند فلان صلاة العصر ، أي في ذلك الحين ، فالمراد على هذا إلى حين تنقضي أمة معدودة من الناس
لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ
أي أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالا له على جهة الاستهزاء والتكذيب والسخرية . فأجابهم اللّه بقوله :
أَلا
أداة استفتاح داخلة على ليس في المعنى
يَوْمَ يَأْتِيهِمْ
أي العذاب
لَيْسَ مَصْرُوفاً
أي محبوسا
عَنْهُمُ
بل واقع بهم لا محالة ، ويوم منصوب بخبر
لَيْسَ
مقدما عليه وهو دليل البصريين على جواز تقديم خبرها عليها إذ المعمول تابع للعامل فلا يقع إلا حيث يقع متبوعه وإلا يلزم تقديم الفرع على أصله . ورد بأن الظرف يجوز فيه ما لا يجوز في غيره توسعا ، ويبنى الأمر فيه على التسامح فيه ، وبأنه قد يقدم المعمول حيث لا مجال لتقدم العامل كما في قوله تعالى :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
[ الضحى : 9 ، 10 ] فإن اليتيم والسائل مع كونهما منصوبين بالفعلين المجزومين قد تقدما على لا الناهية مع امتناع تقدم الفعلين عليها . قال أبو حيان : وقد تتبعت جملة من دواوين العرب فلم أظفر بتقديم خبر
لَيْسَ
عليها ولا بتقديم معموله إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية ، وقول الشاعر :
فيأبى فيما يزداد إلا لجاجة * وكنت أبيا في الخنا لست أقدم
قلت وهذا الخلاف بينهم في تقديم الخبر على
لَيْسَ
لا على اسمها فإنه جائز بلا خلاف والكلام فيه وفي أدلته مفصل في كتب النحو .
وَحاقَ
أي أحاط
بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
أي العذاب الذي كانوا يستعجلونه استهزاء منهم ، ووضع هذا مكان يستعجلون لأن استعجالهم كان استهزاء منهم ، وعبر بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه فكأنه قد حاق بهم
وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ
أي الجنس فيشمل المؤمن والكافر ، ويدل على ذلك الاستثناء الآتي ، قيل