تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
العلم وهي دليل للبشرى المؤخرة في الآخرة ، وهذه البشرى المعجلة دليل على رضاء اللّه عنه ؛ وقيل غير ذلك واللفظ أوسع من ذلك .
لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
أي لا تغيير لأقواله ولا خلف لمواعيده على العموم فيدخل فيها ما وعد به عباده الصالحين دخولا أوليا
ذلِكَ
أي المذكور قبله من كونهم مبشرين بالبشارتين في الدارين
هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
الذي لا يقادر قدره ولا يماثله غيره ، والجملتان اعتراض في آخر الكلام عند من يجوزه وفائدتهما تحقيق المبشر به . وتعظيم شأنه ، والأولى اعتراضية والثانية تذييلية .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 65 إلى 66 ]

وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 65 ) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 66 )
وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ
نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الحزن من قول الكفار المتضمن للطعن عليه وتكذيبه والقدح في دينه ، والمقصود تسلية له صلى اللّه عليه وسلم عما كان يلقاه من جهتهم من الأذية الناشئة عن مقالاتهم الموحشة ، وتبشير له بأنه تعالى ينصره . ثم استأنف سبحانه الكلام مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معللا لما ذكره من النهي فقال :
إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
أي الغلبة والقدرة والقهر له في مملكته وسلطانه ، ليست لأحد من عباده ، وإذا كان ذلك كله له فكيف يقدرون عليك حتى تحزن لأقوالهم الكاذبة وهم لا يملكون من الغلبة شيئا ، ولا ينافي هذا ما في سورة المنافقين
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقون : 8 ] لأن كل عزة باللّه فهي كلها للّه حقيقة لكن قد يظهرها على يد رسوله صلى اللّه عليه وسلم وعلى أيدي المؤمنين تكريما وتعظيما لهم ؛ ومنه قوله :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
[ المجادلة : 21 ]
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا
[ غافر : 51 ]
هُوَ السَّمِيعُ
لما يقولون
الْعَلِيمُ
بما يدبرون ويعزمون عليه وهو مكافئهم بذلك .
أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
ومن جملتهم هؤلاء المشركون المعاصرون للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإذا كانوا في ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء فكيف يستطيعون أن يؤذوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما لا يأذن اللّه به ، و
أَلا
كلمة تنبيه معناه أنه لا ملك لأحد فيهما إلا للّه عز وجل فهو يملك ما فيهما . وقال في الآية الأولى
ما
وفي هذه
مَنْ
فمجموعهما دل على أن اللّه يملك جميع كل شيء فيهما من العقلاء وغيرهم ، أو غلب العقلاء على غيرهم لكونهم أشرف : وفي الآية نعي على عباده البشر والملائكة ، والجمادات لأنهم عبدوا الملوك وتركوا المالك وذلك مخالف لما يوجبه العقل ، ولهذا عقبه بقوله :