تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
ثم قال
وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي أيّ شيء ظنهم في هذا اليوم وما يصنع بهم فيه ، أي لا ينبغي هذا الحسبان ولا صحة له بوجه من الوجوه ، وهذه الجملة الاستفهامية المتضمنة لتعظيم الوعيد لهم غير داخلة تحت القول الذي أمر اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يقوله لهم بل مبتدأة مسوقة لبيان ما سيحل بهم من عذاب اللّه ، وذكر الكذب بعد الافتراء مع أن الافتراء لا يكون إلا كذبا لزيادة التأكيد .
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
يتفضل عليهم بأنواع النعيم في الدنيا والآخرة ومنه بعثة الرسل وإنزال الكتب لبيان الحلال والحرام وإبقاء الكتاب والسنة إلى آخر الدهر والزمان
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ
اللّه على نعمه الواصلة إليهم منه سبحانه في كل وقت من الأوقات وطرفة من الطرفات ، ولا يصرفون مشاعرهم إلى ما خلقت له .
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ
الخطاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وما نافية والشأن الأمر بمعنى القصد وجمعه شؤون ، قال الأخفش : تقول العرب ما شأنت شأنه أي ما عملت عمله ، وما قصدت قصده فهو مصدر بمعنى المفعول .
وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ
قال الفراء والزجاج : الضمير يعود على الشأن والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف أي تلاوة كائنة منه ، إذ التلاوة للقرآن من أعظم شؤونه صلى اللّه عليه وسلم ، والمعنى أنه يتلو من أجل الشأن الذي حدث القرآن فيعلم كيف حكمه أو يتلو القرآن الذي ينزل في ذلك الشأن ، وقال ابن جرير الطبري : الضمير في منه عائد إلى الكتاب أي ما يكون من كتاب اللّه من قرآن وأعاده تفخيما له كقوله :
إِنِّي أَنَا اللَّهُ
وقيل ما تتلوا من اللّه من قرآن نازل عليك ، فمن الثانية زائدة والأولى إما تعليلية أو ابتدائية بحسب الوجهين المتقدمين . والخطاب في
وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ
لرسول اللّه وللأمة ، وقيل الخطاب لكفار قريش
إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً
استثناء مفرغ من أعم الأحوال للمخاطبين بالأفعال الثلاثة أي ما تلابسون بشيء منها في حال من الأحوال إلا في حال كوننا رقباء مطلعين عليه حافظين له ، يقال شهدت على الشيء اطلعت عليه فأنا شاهد وشهيد ، والجمع اشهاد وشهود . والضمير في
إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ
عائد إلى العمل يقال أفاض فلان في الحديث والعمل إذا اندفع فيه ، وقال الضحاك الضمير في
فِيهِ
عائد إلى القرآن والمعنى إذ تشيعون في القرآن الكذب ، والإفاضة الدخول في العمل على جهة الانتصاب إليه والانبساط فيه .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 254 | صديق الحسيني القنوجي البخاري