تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
والثالث :
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
أي غلب على ظنونهم الهلاك ، وأصله من إحاطة العدو بقوم أو ببلد ، فجعل هذه الإحاطة مثلا في الهلاك وإن كان بغير العدو ، كما هنا وهو استعارة تبعية ، وقيل الظن هنا اليقين أي أيقنوا أنه الهلاك ، وقيل بل المراد المقاربة من الهلاك والدنو منه والإشراف عليه . وقوله
دَعَوُا اللَّهَ
بدل من ظنوا لكون هذا الدعاء الواقع منهم إنما كان عند ظن الهلاك وهو الباعث عليه فكان بدلا منه بدل اشتمال لاشتماله عليه ، ويمكن أن يكون جملة مستأنفة كأنه قيل ماذا صنعوا فقيل دعوا اللّه .
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
أي لم يشوبوا دعاءهم بشيء من الشوائب كما جرت عادتهم في غير هذا الموطن أنهم يشركون أصنامهم في الدعاء ، وليس هذا لأجل الإيمان باللّه وحده بل لأجل أن ينجيهم مما شارفوه من الهلاك لعلمهم أنه لا ينجيهم إلا اللّه سبحانه . وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى اللّه في الشدائد وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا ، وفي هذه الآية بيان أن هؤلاء المشركين كانوا لا يلتفتون إلى أصنامهم في هذه الحالة وما شابهها . فيا عجبا لما حدث في الإسلام من طوائف يعتقدون في الأموات فإذا عرضت لهم في البحر مثل هذه الحالة دعوا الأموات ولم يخلصوا الدعاء للّه كما فعله المشركون كما تواتر ذلك إلينا تواترا يحصل به القطع . فانظر هداك اللّه ما فعلت هذه الاعتقادات الشيطانية وأين وصل بها أهلها وإلى أين رمى بهم الشيطان ، وكيف اقتادهم وتسلط عليهم حتى انقادوا له انقيادا ما كان يطمع في مثله ولا في بعضه من عباد الأصنام ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون . واللام في
لَئِنْ أَنْجَيْتَنا
هي الموطئة للقسم المحذوف على إرادة القول أي دعوا قائلين ذلك ، ويجوز أن يجري دعوا اللّه مجرى قالوا لأن الدعاء بمعنى القول إذ هو نوع من أنواعه فتحكى به الجملة ، وهو مذهب كوفي والأول هو الأول لاستدعاء الثاني لاقتصار دعائهم على ذلك فقط .
مِنْ هذِهِ
أي ما وقعوا فيه من مشارفة الهلاك في البحر من الريح العاصفة والأمواج الشديدة
لَنَكُونَنَّ
في كل حال
مِنَ الشَّاكِرِينَ
أي ممن يشكر نعمك التي أنعمت بها علينا منها هذه المحنة التي نحن بصدد سؤالك أن تفرجها عنا وتنجينا منها ، وهذا جواب القسم وفيه من المبالغة في الدلالة على كونهم ثابتين في الشكر مثابرين عليه منتظمين في سلك المنعوتين بالشكر الراسخين فيه ما ليس في أن يقال لنشكرن .