تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
مفعولي يتخذ لأنه بمعنى الجعل ، والمعنى أنه اعتقد ما ينفقه في سبيل اللّه غرامة وخسرانا ، وأصل الغرم والغرامة ما ينفقه الرجل وليس بلازم له في اعتقاده ، ولكنه ينفقه للرياء والتقية ، وقيل أصل الغرم اللزم كأنه اعتقد أنه يلزمه لأمر خارج لا تنبعث له النفس . قال الضحاك : يعني بالمغرم أنه لا يرجو له ثوابا عند اللّه ولا مجازاة ، وإنما يعطي ما يعطي من الصدقات كرها ، وعن ابن زيد قال : هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياء اتقاء أن يغزوا ، ويحاربوا ويقاتلوا ويرون نفقاتهم مغرما وهم بنو أسد وغطفان .
وَيَتَرَبَّصُ
أي ينتظر
بِكُمُ الدَّوائِرَ
جمع دائرة وهي الحالة المتقلبة عن النعمة إلى البلية ، وأصلها ما يحيط بالشيء ودوائر الزمان نوبه وتصاريفه ودوله وكأنه لا تستعمل إلا في المكروه ، وفي الدائرة مذهبان أظهرهما أنها صفة على فاعلة كقائمة وقال الفارسي : يجوز أن تكون مصدرا كالعاقبة ، والمعنى ينتظر بكم تقلب الزمان وصروفها التي تأتي مرة بالخير ومرة بالشر ، قال يمان بن رباب : يعني يموت الرسول ويظهر المشركون . ثم دعا سبحانه عليهم بقوله :
عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ
وجعل ما دعا به عليهم مماثلا لما أرادوه بالمسلمين ، والسوء عند الجمهور مصدر أضيف إليه الدائرة للملابسة كقولك رجل صدق ؛ وهو مصدر في الحقيقة ، قال أبو البقاء : وهو الضرر ، وقال مكي : من فتح السين فمعناه الفساد والرداءة ، ومن ضمها فمعناه البلاء والضرر ، وظاهر هذا أنهما اسمان لما ذكر ، ويحتمل أن يكونا مصدرين ثم أطلقا على ما ذكر . وقال غيره : المضموم العذاب والضرر ، والمفتوح الذم ، وقرأ ابن كثير وغيره بضم السين وهو المكروه ، قال الأخفش : عليهم دائرة الهزيمة والشر ، وقال الفراء : دائرة العذاب والبلاء قال : والسوء بالفتح سؤته سؤا ومساءة وبالضم اسم لا مصدر وهو كقولك دائرة البلاء والمكروه ، قال الخفاجي وبين الفتح والضم شبه طباق ، وقال الضحاك : الدوائر الهلكات
وَاللَّهُ سَمِيعٌ
لما يقولونه
عَلِيمٌ
بما يضمرونه .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 99 ]

وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 99 )
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
هذا النوع الثاني من أنواع الأعراب كما تقدم أي منهم من يصدق بهما ، عن عبد الرحمن بن معقل قال : كنا عشرة ولد مقرن فنزلت هذه الآية فينا ، وقال مجاهد : هم بنو مقرن من مزينة وهم الذين قال اللّه :
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ
[ التوبة : 92 ] الآية ، وقال الكلبي : هم أسلم وغفار وجهينه ومزينة ، وفي الباب أحاديث يطول ذكرها .