تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
وهي لم تخسف بأجمعها فيكون المراد به مجازا انقلاب حالها من الخير إلى الشر تشبيها له بالخسف على طريق الاستعارة كقول ابن الرومي :
وما الخسف أن تلقى أسافل بلدة * أعاليها بل أن تسود الأراذل
وهي بدل من الذين بدل من الذين بدل بعض من كل ، فقوله : وعاد إلى آخر المعطوفات كلها على قوم نوح لا على نوح غير أن الأخير وهو المؤتفكات على حذف مضاف كما قدرنا إذ هي القرى ، وليست من الذين خلوا حتى تكون من جملة البدل ، وسميت مؤتفكات لأنها انقلبت بهم حتى صار عاليها سافلها ، والائتفاك الانقلاب يقال أفكه إذا قلبه وبابه ضرب ، ويقال أفكته فائتفك أي قلبته فانقلب ، والمادة تدل على التحول والصرف ، ومنه
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ
[ الذاريات : 9 ] أي يصرف .
أَتَتْهُمْ
استئناف لبيان نبأهم
رُسُلُهُمْ
أي رسل هذه الطوائف الست ، وقيل رسل أصحاب المؤتفكات لأن رسولهم لوط وقد بعث إلى كل قرية من قراهم رسولا
بِالْبَيِّناتِ
أي المعجزات الباهرات والحجج الواضحات الدالة على صدقهم فكذبوهم وخالفوا أمرنا ، فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم ، والفاء في
فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
للعطف على مقدر يدل عليه الكلام ، أي فكذبوهم فأهلكهم اللّه فما ظلمهم بذلك ولم يجعل العقوبة لهم ، لأنه قد بعث إليهم رسله فأنذروهم وحذروهم .
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
بسبب ما فعلوه من الكفر باللّه وعدم الانقياد لأنبيائه ، وهذا التركيب يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان مستمرا . وقيل تقديم المفعول لمجرد الاهتمام به مع مراعاة الفاصلة من غير قصد إلى قصر المظلومية عليهم .

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 71 إلى 72 ]

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 71 ) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 72 )
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
أي قلوبهم متحدة في التوادد والتحابب والتعاطف واتفاق الكلمة والعون والنصر بسبب ما جمعهم من أمر الدين وضمهم من الإيمان باللّه . قال ابن عباس : آخاهم في اللّه يتحابون بجلال اللّه والولاية له فظهر الفرق بين الفريقين . ثم بين أوصافهم الحميدة كما بين أوصاف من قبلهم من المنافقين فقال :
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
أي بما هو معروف في الشرع غير منكر ، ومن ذلك توحيد اللّه سبحانه وترك عبادة غيره
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
أي عما هو منكر في الدين غير
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 144 | صديق الحسيني القنوجي البخاري