والبواء بالغضب منه لكونهم كفروا بآياته ، وقتلوا أنبياءه ، بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود اللّه على الاستمرار ، فإن الإصرار على الصغائر يفضي إلى الكبائر ، وهي تفضي إلى الكفر ، عن ابن جريج قال : إشراكهم في عزير وعيسى والصليب .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 113 إلى 114 ]
لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 ) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 114 )
لَيْسُوا سَواءً
أي هم غير مستوين بل مختلفون ، والجملة مستأنفة سيقت لبيان التفاوت بين أهل الكتاب ، وقوله :
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ
هو استئناف أيضا يتضمن بيان الجهة التي تفاوتوا فيها من كون بعضهم أمة قائمة إلى قوله :
مِنَ الصَّالِحِينَ .
قال الأخفش : التقدير من أهل الكتاب ذو أمة أي ذو طريقة حسنة ، وبه قال الزجاج ، وقيل في الكلام حذف والتقدير من أهل الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة فترك الأخرى اكتفاء بالأولى ، وقال الفراء التقدير ليس تستوي أمة من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات اللّه وأمة كافرة ، وقال النحاس : هذا القول خطأ انتهى .
وعندي أن ما قاله الفراء قوي قويم ، وحاصله أن معنى الآية لا تستوي أمة من أهل الكتاب شأنها كذا وأمة أخرى شأنها كذا ، والقائمة المستقيمة العادلة من قولهم أقمت العود فقام أي استقام ، عن ابن عباس يقول : مهتدية قائمة من أمر اللّه لم تنزع عنه ولم تتركه كما تركه الآخرون وضيعوه ، وقيل قائمة على كتاب اللّه وحدوده ، وقيل قائمة في الصلاة .
يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ
أي يقرؤون كتابه
آناءَ اللَّيْلِ
أي ساعاته ، وقال ابن عباس جوف الليل ، واحدها أنى بفتح الهمزة والنون بزنة عصا أو إني بكسر الهمزة وفتح النون بوزن معي أو أنى بالفتح والسكون بوزن ظبي ، أو انى بوزن حمل أو أنو بزنة جرو ، وكل واحد من هذه المفردات الخمس يطلق على الساعة من الزمان كما يؤخذ من القاموس .
وَهُمْ يَسْجُدُونَ
ظاهره أن التلاوة كائنة منهم في حال السجود ، ولا يصح ذلك إذا كان المراد بهذه الأمة الموصوفة في الآية هم من قد أسلم من أهل الكتاب ، لأنه قد صح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم النهي عن قراءة القرآن في السجود ، فلا بد من تأويل هذا الظاهر بأن المراد بقوله وهم يسجدون وهم يصلون كما قاله الفراء والزجاج ، وإنما عبر بالسجود عن مجموع الصلاة لما فيه من الخضوع والتذلل .
وظاهر هذا أنهم يتلون آيات اللّه في صلاتهم من غير تخصيص لتلك الصلاة